الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              مسائل:

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يسكن دارا لفلان، فسكن دارا بين فلان وآخر لم يحنث في قول الشافعي ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يسكن دارا اشتراها فلان فاشترى فلان دار غيره دارا لغيره فسكنها، حنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يحلف أن لا يسكن بيتا وهو من أهل البادية أو أهل القرية ولا نية له، فقالت طائفة: أي بيت من شعر أو أدم أو خيمة [ ص: 227 ] أو ما وقع عليه اسم بيت، أو بيت حجارة أو مدر سكن حنث، كذلك قال: الشافعي ، وقال أصحاب الرأي: إذا سكن بيتا من شعر، أو فسطاطا، أو خيمة لم يحنث إذا كان من أهل الأمصار، وإنما يقع هذا على معاني كلام الناس، وإن كان من أهل البادية حنث في قول أبي ثور وقولهم جميعا.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يسكن بيتا لفلان فسكن صفة له لم يحنث في قول أبي ثور ، قال: وذلك أن الصفة لا يقال لها بيت في [اللغة] ولا التعارف بين الناس.

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي: يحنث؛ لأن الصفة بيت، إلا أن يكون نوى البيت دون الصفاف، فإن نوى ذلك لم يحنث.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لا يحنث.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يسكن دارا لفلان وهو ينوي بالأجر، فسكن دارا بغير أجر، لم يحنث في قول أبي ثور ، ويحنث في قول أصحاب الرأي؛ وذلك أنه لم يكن قبل ذلك كلام يذكر فيه الأجر.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : الأيمان على نيات الحالفين، ولا حنث عليه.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يسكن دار فلان هذه، فسكن بعضها، حنث في قول أبي ثور وأصحاب الرأي، إلا أن يكون أراد أن لا يسكنها كلها. [ ص: 228 ]

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يدخل دارا لفلان ولم يكن له نية، فدخل دارا لفلان فيها ساكن، فقالت طائفة: يحنث، وذلك أن هذه قد يقال: دار فلان وإن كان ساكنا، كذلك قال أبو ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وقال الشافعي : إذا حلف أن لا يدخل مسكن [فلان] فدخل عليه [مسكنا] بكراء، حنث، إلا أن يكون نوى مسكنا له يملكه.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يدخل على فلان، ولم يسم بيتا، ولا نية له، فدخل عليه في بيته أو بيت رجل آخر، حنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي، وإن دخل عليه في صفة حنث في قولهم جميعا، وإن دخل عليه في دهليز باب أو ظلة، أو سقيفة، أو فسطاط، أو خيمة، أو بيت شعر، حنث في قول أبي ثور ، ولم يحنث في قول أصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وإن كان الحالف من أهل البادية حنث إذا دخل عليه بيت شعر في قولهم جميعا.

                                                                                                                                                                              وإن دخل عليه في الكعبة أو مسجد حنث في قول أبي ثور ، ولم يحنث في قول أصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وقال الشافعي : إذا دخل عليه في المسجد لم يحنث.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا حلف أن لا يدخل بيتا لفلان، فانهدم وصار صحراء [ ص: 229 ] ثم دخل ذلك الموضع لم يحنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي، وكان الشافعي يقول: لا يحنث؛ لأنها ليست بدار، وهو قول ابن القاسم ، وقال أصحاب الرأي: في الدار يحنث؛ لأنها [دار] ، قالوا في البيت لا يكون بيتا إلا ببناء، والدار قد تكون دارا بغير بناء، وقال أبو ثور في الدار كقولهم.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لا يحنث في المسألتين جميعا؛ لأنها ليست بدار ولا هو بيت، وإذا حلف أن لا يدخل على فلان بيتا أو دارا فدخل بيتا أو دارا وفلان فيه وهو لا ينوي الدخول عليه لم يحنث في قول أصحاب الرأي، وقال الشافعي : لا يحنث من قبل أنه ليس على ذلك دخل.

                                                                                                                                                                              قال: وفيه قول آخر: أنه يحنث؛ لأنه قد دخل عليه بيتا كما حلف، وقال أبو ثور : إذا لم ينو الدخول عليه ولم يعلم، لم يحنث.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لا يحنث.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يدخل من باب هذه الدار ولا نية له، فحول بابها إلى موضع آخر فدخلها لم يحنث، كذلك قال الشافعي ، وأصحاب الرأي. [ ص: 230 ]

                                                                                                                                                                              قال الشافعي : وإن نوى أن لا يدخل الدار حنث.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : هكذا أقول.

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يحلف أن لا يركب دابة وهو راكب، أو لا يلبس ثوبا وهو لابسه، أو لا يدخل دارا وهو فيها داخل، فقالت طائفة: إن نزل مكانه، أو نزع الثوب مكانه، أو خرج من الدار مكانه، وإلا حنث، هذا قول الشافعي .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: لا يحنث في شيء منها إلا أن يخرج من الدار، ثم يدخلها بعد، وكذلك الركوب لا يحنث حتى يبتدئ الركوب، وكذلك الثوب لا يحنث حتى ينزع ثم يلبس، هذا قول أبي ثور .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إذا مكث على الدابة تلك الساعة واقفا، أو سائرا، حنث؛ لأنه ركب بعد يمينه، ولو نزل حين حلف لم يحنث.

                                                                                                                                                                              وقالت هذه الطائفة في البيت: لو أقام فيه بعد الحلف أياما، لم يحنث؛ لأنه لم يدخل بعد اليمين، قالت: وإن حلف أن لا يلبس القميص فتركه عليه بعد اليمين حنث.

                                                                                                                                                                              هذا قول أصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وليس بين شيء مما فرقوا بينهما فرق، وقول أبي ثور أصح، والله أعلم.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يكلم فلانة هذه امرأة فلان، فطلقها فلان، ثم كلمها حنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وكذلك إذا [ ص: 231 ] حلف أن لا يكلم فلانا عبد فلان، فباعه [فلان] وكلمه حنث في قولهم جميعا، وكذلك نقول.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يدخل دار فلان هذه، فجعلت الدار حماما أو بستانا، ثم دخل ذلك الموضع لم يحنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي، وكذلك نقول.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يضع قدمه في دار فلان، ولا نية له، فدخلها راكبا لم يحنث في قول أبي ثور ، وإن دخلها وعليه خف أو نعل حنث في قوله، وقال أصحاب الرأي: يحنث في ذلك كله؛ لأن معاني كلام الناس هاهنا إنما يقع على الدخول، وإن نوى أن لا يضع قدمه فيها ماشيا فدخلها راكبا لم يحنث، وإن قام على حائط من حيطانها حنث في قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وإذا حلف أن لا يدخل الدار فدخل من قبل حائط الدار حتى صار على سطح من سطوحها حنث في قول المزني ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي.

                                                                                                                                                                              وقال الشافعي : لا يحنث، قال: وإنما دخولها أن يدخل بيتا منها أو عرصتها.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : الشافعي لا يحنثه بدخوله السطح، ويرى الاعتكاف على ظهر المسجد أو سطح المسجد من المسجد. والمزني لا يرى للمعتكف المقام في سطح المسجد، ويحنث الحالف: لا دخل دارا، إن رقى سطحها، وكل ذلك من قولهما تضاد، وهو عندي حانث إذا [ ص: 232 ] رقى في سطحها، وسطح المسجد من المسجد، و [يقيم] فيه المعتكف، ويصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام.

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية