الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              جماع أبواب القذف وما يجب على القاذف

                                                                                                                                                                              قال الله - جل ذكره - : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) وقال - جل ثناؤه - : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) .... الآية، وقال - تبارك وتعالى - : ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) ، قال - جل ذكره - : ( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ) .... الآية وجاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتغليظ في رمي المحصنات، وأن ذلك من الكبائر .

                                                                                                                                                                              9244 - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا المعلى بن مهدي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكبائر سبع: أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، وفرار من الزحف، ورمي المحصنات، وانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة" . [ ص: 570 ]

                                                                                                                                                                              9245 - حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: "لا أقسم لا أقسم" ثم نزل فقال: "أبشروا أبشروا أبشروا من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع نودي من أي أبواب الجنة ادخل".

                                                                                                                                                                              قال عبد العزيز: ولا أعلمه إلا قال: "بسلام"، فسمعت سائلا يسأل عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال: نعم قال: "عقوق الوالدين، والإشراك بالله، وقتل النفس وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا"
                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: لم نجد في شيء من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا يدل على تصريح القذف الذي يوجب الحد، وظاهر كتاب الله مستغنى به، دالا على القذف الذي يوجب الحد، وأهل العلم على ذلك مجتمعون، وعلى إيجاب الحد على قاذف المحصنة بالزنا إذا لم يأت على صدق ما قال بأربعة شهداء، وأنكرت المقذوفة ما رماها به .

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيمن قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم فقالت طائفة: لا حد عليه، هكذا قال الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وسليمان بن موسى، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، [ ص: 571 ] وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وبه قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه غير أن عمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك بن أنس، والشافعي وغير واحد قالوا: يعزر .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان: وهو أن من قذف يهودية أو نصرانية ولها ولد مسلم أنه يجلد الحد. هذا قول الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والزهري، وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا قال: لست ابن فلان وأمه نصرانية أو أمة عليه الحد. وقال قتادة: إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد. ومن حجة بعض من رأى أن لا حد على المسلم يقذف النصرانية وأن عليه التعزير بأنهم قد أجمعوا على أن على قاذف الحرة المسلمة الحد .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في وجوب الحد على من قذف غير الحرة المسلمة فالحد يجب على من أجمعوا أن عليه الحد، وساقط عمن اختلفوا في وجوب الحد عليه، ولا يجوز إيجاب حد قد اختلف فيه إلا بحجة، ولا حجة مع من أوجب على قاذف الذمية أو الذمي الحد . [ ص: 572 ]

                                                                                                                                                                              وقال آخرون: كل من وقع عليه اسم الإحصان فالحد واجب على قاذفه، والإحصان اسم جامع عند أهل اللغة، وجماع الإحصان إنما هو المنع، والمنع قد يكون بوجوه شتى، فالحرة يقع عليها اسم المنع بالحرية وهي بها محصنة، ويقع على المسلمة بالإسلام، وهي به محصنة، ويقع على العفيفة بالعفة، وهي بها محصنة، ويقع على ذات الزوج بمنع الزوج لها فهي به محصنة، فكل من ذكرنا محصنات يقع عليهن اسم الإحصان عند أهل العلم باللغة على ما ذكرناه من المعاني، فإذا كان كل من ذكرنا يقع عليهن اسم الإحصان، وقد قال الله: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) ولم يستثن في كتابه، ولا على لسان نبيه محصنة دون محصنة، فالواجب على ظاهر الكتاب إيجاب الحد على كل قاذف لكل من ذكرنا ممن يقع عليه اسم الإحصان إلا من قذف محصنة دل الكتاب، أو السنة، أو الإجماع أن لا حد على قاذفها .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: فأما من أدركنا من علماء الأمصار فمجمعون وقائلون بالقول الأول، لم أدرك أحدا ممن لقيته يخالف ذلك .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم بقذف المسلم ثمانين جلدة، لا أعلم في ذلك اختلافا، وممن حفظت أنه قال ذلك: الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وهو مذهب كل من [ ص: 573 ] أحفظ عنه من أصحابنا. وبه قال أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية