الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 224 ] فظهر: أن ما نفوه عن الرب من التقدم بالزمان ليس فيه ما يقبل النزاع، إلا وجه واحد، وله ثلاثة أوجه لا تقبل النزاع بين العقلاء: فهو أربعة أوجه:

الأول: أن يكون متقدما على بعض مخلوقاته تقدما مقارنا لما خلقه من الليل والنهار؛ كتقدمه على الحوادث اليومية، ولا ريب أن كل تقدم يوصف به المخلوق على غيره، فالباري يوصف به وزيادة أحرى، وهذا من باب قياس الأولى؛ فإن التقدم على الغير من صفات الكمال كالعلو، وكل علو يثبت للمخلوق فهو به أحق، وكل تقدم يثبت للمخلوق فهو به أحق، فإذا كان الأولون متقدمين على الآخرين تقدما معلوما بمقارنة ذلك الزمان، فالرب أيضا متقدم على هؤلاء تقدما معلوما بمقارنة ذلك الزمان، فهو موجود مع طلوع الشمس وغروبها، كما أن غيره موجود مع ذلك، ووجوده أكمل، فمقارنته له أكمل، وليس في ذلك ما يقتضي أنه محتاج إلى الزمان، بل قد بينا أن مقارنة المخلوق للزمان لا توجب حاجة المخلوق إليه، فالخالق أولى أن لا يكون محتاجا إلى الزمان، إذا كان الزمان قد قارن وجوده حين وجود الزمان.

يبين هذا أن المقارنة يدل عليها لفظ "مع" وكون الله مع خلقه عموما أو خصوصا، مما أجمع عليه المسلمون، ودل عليه القرآن في غير موضع، فهو مع كل شيء معية عامة أو خاصة فلماذا يمتنع أن يكون مع الزمان والمكان على الوجه الذي يليق [ ص: 225 ] به، وذلك أمر واجب لا محالة؟!

الوجه الثاني: أن الزمان الذي يراد به ما يقدر فيه من وجود الليل والنهار الذي ذكرنا أن العدم يتقدم على الوجود به أمر عدمي، فلا يمتنع تقدمه بهذا الزمان، كما تقدم.

الوجه الثالث: أنه متقدم على المخلوقات بنفسه، وما هو عليه من صفاته، وإن لم يخطر بالقلب شيء آخر من وجود أو عدم يكون متقدما به؛ بل هو متقدم بنفسه، وإن سمي شيء من ذلك زمانا أو دهرا كان النزاع لفظيا، وأما الوجه الذي فيه النزاع فإن يفعل فعلا آخر، ويتصرف تصرفا قائما بنفسه، يتوقف به ما يوصف به، فهذا فيه نزاع - كما تقدم.

التالي السابق


الخدمات العلمية