الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  فأما عروة فروى عنها في ذلك أنهم إنما كانوا أهلوا بالعمرة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد ذلك : " من لم يكن معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا " .

                  1277 - كما حدثنا يونس ، قال حدثنا ابن وهب ، أن مالكا ، حدثه ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فأهللنا بالعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا . قالت : فقدمت مكة وأنا حائض ، فلم أطف بالبيت ، ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : انقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج ، ودعي العمرة . قالت : ففعلت ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت ، فقال : هذه مكان عمرتك .

                  [ ص: 81 ] قال : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا أخيرا بعد أن رجعوا من منى بحجهم ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا .


                  ففي هذا الحديث أن الناس قد كانوا ابتدأوا الإحرام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة ، ثم أضاف بعضهم إليها حجة ، وفيه ما يدل على أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة لم يحلوا من حجهم ، ولم يكونوا ممن فسخ الحج وفيه أيضا ما يدل على أن الذين كانوا حلوا ثم أحرموا بالحج ، إنما كانوا حلوا من عمرة ، ثم أحرموا بالحج بعد ذلك بمكة وهذا الحديث فليس فيه شيء من فسخ الحج المذكور في غيره ، وقد روى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في هذه القصة خلاف هذا المعنى وذلك أن :

                  1278 - محمد بن خزيمة ، حدثنا ، قال حدثنا حجاج ، قال حدثنا حماد بن سلمة ، قال أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شاء أن يهل بالعمرة فليهل ، ومن شاء أن يهل بالحج فليهل . فأما أنا فإني أهل بالحج ، لأن معي الهدي .

                  قالت عائشة : فمنا المهل بالحج ، ومنا المهل بالعمرة ، فلبيت بعمرة قالت : فأزفني نوم .


                  قال أبو جعفر : فذكر حرفا معناه " فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعي عمرتك ، وانفضي شعرك ، وامتشطي ، ولبي بالحج ، فلما [ ص: 82 ] كانت ليلة البطحاء طهرت ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر ، فذهب بها إلى التنعيم ، فلبت بالعمرة قضاء لعمرتها " .

                  1279 - وإن أبا بكرة بكار بن قتيبة ، وأبا عمرو محمد بن خزيمة ، حدثنا جميعا ، قالا : حدثنا عثمان بن الهيثم ، قال حدثنا ابن جريج قال : أخبرني هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : من شاء فليهل بالحج ، ومن شاء فليهل بالعمرة ، فحضت ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرني أن أنفض رأسي ، وأمتشط ، وأدع عمرتي .

                  ووافق هشام بن عروة على ما رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، عكرمة ، وابن أبي مليكة ، فرويا عن عائشة مثل ذلك أيضا .

                  1280 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال حدثنا يوسف بن عدي ، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن يونس ، عن زيد بن الحسن ، عن عكرمة ، عن عائشة ، مثله .

                  1281 - حدثنا ابن أبي داود ، قال حدثنا يوسف ، قال حدثنا ابن أبي زائدة ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، مثله .

                  وفي حديث هشام الذي ذكرناه ، وفي حديثي عكرمة وابن أبي مليكة اللذين وصفنا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان خيرهم في بدء إحرامهم ، بين الإهلال بالحج وبين الإهلال بالعمرة ، وليس في شيء منها من فسخ الحج شيء .

                  وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود هذا الحديث عن عروة ، عن عائشة بألفاظ سوى الألفاظ التي رواه عليها ابن شهاب ، وهشام بن عروة ، عن عروة .

                  1282 - فحدثنا يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا ، حدثه ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، أنها قالت : خرجنا مع [ ص: 83 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بالحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بحج ، أو جمع بين الحج والعمرة ، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر .

                  ففي هذا الحديث إحرام بعضهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة لا حج معها ، وإحرام بعضهم بالحج لا عمرة معه ، وإحرام بعضهم بالحج والعمرة جميعا . وفيه نفى فسخ الحج الذي روي في غيره عن عائشة ، وعن غيرها ممن قد رويناه في هذا الباب .

                  وفيه أيضا ما يدل على أنهم قد كانوا علموا بالعمرة في أشهر الحج قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، لما قدمها له على خلاف ما قال ابن عباس " كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور " ، وإنهم إنما عرفوا الاعتمار في أشهر الحج لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه مكة على ما رويناه عنه فيما تقدم من هذا الباب .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية