الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وقد اختلف أهل العلم في العمرة ، هل هي مباحة في كل السنة أو محظورة في وقت منها خاص ؟ فكان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن يقولون : هي مباحة في كل السنة غير يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق ، فإنها محظورة فيهن هكذا روى محمد بن الحسن في ذلك ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف جميعا ، ولم يحك في ذلك خلافا بينه وبينهما وقد كان أبو يوسف حكى هذا القول أيضا عن أبي حنيفة في إملائه ببغداد ، وحكى بشر بن الوليد ، أن أبا يوسف قد كان ببغداد أملى عليهم أنه لا بأس بالعمرة في يوم عرفة ، وأن الأيام التي تكره فيها العمرة عنده إنما هي يوم النحر وأيام التشريق .

                  وقال في هذه الرواية : وقد بلغنا عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : تمت العمرة في السنة كلها إلا خمسة أيام : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق وبلغنا عنها أنها قالت : تمت العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام : يوم النحر ، وأيام التشريق .

                  قال أبو يوسف : وهذا عندنا أصح الحديثين عنها ، لأنه لا بأس بالعمرة في يوم عرفة هذا كلام أبي يوسف الذي حكاه عنده بشر بن الوليد في هذا المعنى .

                  وقد كان قوم يقولون : لا بأس بالعمرة في السنة كلها إلا في يوم النحر ، وفي يومين من أيام التشريق .

                  فكان آخرون سواهم يقولون : لا بأس بالعمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويومين من أيام التشريق ، فإن العمرة لا تصلح فيهن .

                  [ ص: 226 ] وقد كان قوم يقولون : لا بأس بالعمرة في السنة كلها وممن قال منهم الشافعي .

                  قال أحمد : وهذا مما إن حمل على القياس كانت العمرة مباحة في السنة كلها ، ولكنا قد وجدنا في ذلك أثرا قد روي فيه عن عائشة رضي الله عنها ، وهو أن محمد بن عمرو بن يونس :

                  1621 - قد حدثنا ، قال : حدثني أسباط بن محمد القرشي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن معاذة العدوية ، عن عائشة ، قالت : تمت العمرة في السنة كلها إلا ثلاثة أيام : يوم النحر ، ويومين من أيام التشريق .

                  هكذا روى قتادة هذا الحديث عن معاذة ، عن عائشة وأما يزيد الرشك فرواه عن معاذة ، عن عائشة على خلاف هذا المعنى ، وذلك أن سليمان بن شعيب ، .

                  1622 - قد حدثنا ، قال حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال حدثنا شعبة ، عن يزيد الرشك ، عن معاذة ، عن عائشة ، قالت : تمت العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويومين من أيام التشريق .

                  فزاد يزيد الرشك في حديثه هذا يوم عرفة على قتادة في حديثه الذي ذكرناه عنه ولم نجد عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير حديث عائشة هذا ولم نجد لما حكاه أبو يوسف عنها في كراهة العمرة في اليوم الثالث من أيام التشريق مخرجا وهذا الذي ذكرناه عن عائشة من المنع من العمرة في الأربعة الأيام التي ذكرها يزيد الرشك في حديثه ، مما نعلم أنها لم تقله رأيا ، وإنما قالته توقيفا ، لأن مثله لا يقال بالرأي ، فقولها رضي الله عنها عندنا في هذا كالحديث المتصل ، وقد ثبت به عندنا المنع من العمرة في يوم عرفة ، وفي يوم النحر ، وفي يومين من أيام التشريق ، وأما اليوم الثالث من أيام التشريق فلم نجد عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيا عن العمرة فيه ، ولا وجدنا عن أحد من تابعيهم نهيا عن العمرة فيه غير طاوس ، فإن . عبد الله بن المبارك ، ذكر عن سعيد بن حسان :

                  [ ص: 227 ] 1623 - أن عبد الرحمن بن يحيى بن باباه أخبره ، قال : كنت عند طاووس ، فجاءه رجل ، فقال : في أي الشهر تأمرني أن أعتمر ؟ قال أيها شئت ، إلا يوم عرفة ، وأيام منى ، اعتمر فيما قبل ذلك ، وفيما بعده .

                  فهذا الحديث فيه من كلام طاووس المنع من العمرة في اليوم الثالث من أيام التشريق كالمنع منها في يوم عرفة ، وفي يوم النحر ، وفي اليومين الأولين من أيام التشريق .

                  وهذا عندنا من طاووس فعلى توقيف قد وقف عليه ممن تقدمه ، لأنه مما لا يوجد من جهة الرأي ، ولا من جهة الاستخراج ، ولا الاستنباط .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية