الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  ولما كنا قد روينا فسخ الحج عن عائشة من أحاديث الأسود بن يزيد ، والقاسم ، وعمرة ، كان أولى عندنا مما رواه عروة وحده عن عائشة ، وذلك لأن ثلاثة أولى بالحفظ من واحد ، ولأن هؤلاء الثلاثة قد تابعهم على ما رووا من ذلك عن عائشة ، من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج ، ابن عباس ، وابن عمر ، وأنس ، وأسماء ابنة أبي بكر ، ومعقل بن يسار ، وجابر بن عبد الله مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في هذا الباب ، ومما لم نذكره فيه مما سنذكره فيما بعد منه إن شاء الله ، أبو ذر الغفاري ، وأبو موسى الأشعري ، مع دلالة فيه عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ، أن الأمر كان عندهما في ذلك كذلك أيضا ، فكانوا هؤلاء بالحفظ أولى مما رواه عروة عن عائشة ، وخالفه فيه عنها الأسود ، والقاسم ، وعمرة .

                  ومما يدل على صحة قول ابن عباس ، أنهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج [ ص: 84 ] قبل أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بفسخ الحج ، ما :

                  1283 - قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال حدثنا أسد ، قال حدثنا حاتم بن إسماعيل ، قال حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر في خبر حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالتوحيد ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، ولم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن شيئا ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته .

                  قال جابر : ولسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة ، حتى إذا كنا آخر طواف على المروة ، قال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، وجعلتها عمرة ، فمن كان ليس معه هدي فليحلل ، وليجعلها عمرة فحل الناس ، وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معه الهدي ، فقام سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول الله ، عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد ؟ قال : فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الأخرى ، فقال : دخلت العمرة هكذا في الحج مرتين ، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معه الهدي .


                  ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يحلوا ، وأن يقصروا إلا من كان معه الهدي ، وقال لهم مع ذلك : " إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما سقت الهدي ، وجعلتها عمرة " ، أي لأني في حرمة حجة ، وأنه قال مع ذلك : " فمن كان ليس معه هدي فليحلل ، وليجعلها عمرة " أي لأنه في غير عمرة فهذه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بينت لنا في هذا الحديث ما كان دخل فيه من الإحرام ، وما كان أصحابه دخلوا فيه منه ، وإنه كان في حج ، لا في عمرة ، وإنهم فسخوا ذلك الحج بأمره إياهم بذلك حتى صيروه عمرة ، فصاروا في حرمة عمرة ، لا في حرمة حجة ، وصار من ساق منهم الهدي لإحرامه في حكم من أراد التمتع ، وساق الهدي له ، فلا يحل من عمرته إلا مع إحلاله من حجته .

                  [ ص: 85 ] وفيه أيضا سؤال سراقة النبي صلى الله عليه وسلم : أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ وجواب النبي صلى الله عليه وسلم إياه عن ذلك بما أجابه به عنه ، فدل ذلك أن تلك العمرة لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك كما قال ابن عباس ، ولو كانوا يعرفونها إذا لقال صلى الله عليه وسلم لسراقة العمرة الآن على ما كانت عليه من قبل ففي تركه ذلك ، وإجابته إياه بالجواب الذي ذكرنا دليل على أنه قد كان حدث منه في العمرة حينئذ حكم لم يكونوا يعرفونه منه فيها قبل ذلك .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية