الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وقد رويت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعن عبد الله بن عمر ، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم في المعدودات والمعلومات آثار نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله فأما ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك فما :

                  1562 - قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي ، قال حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ، قال أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ، عن علي بن أبي طالب ، قال : الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده ، اذبح في أيها شئت ، وأفضلها أولها .

                  ولم يذكر في حديثه هذا الأيام المعدودات وأما ما روي عن عبد الله بن عباس في ذلك فما :

                  [ ص: 202 ] 1563 - قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال حدثنا عفان بن مسلم ، عن هشيم ، قال حدثنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : الأيام المعلومات أيام العشر ، والمعدودات أيام التشريق .

                  1564 - وما قد حدثنا محمد بن زكرياء أبو شريح ، قال حدثنا الفريابي ، قال حدثنا سفيان الثوري ، عن طلحة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : الأيام المعلومات العشر فيهن الأضحى ، والمعلومات أيام التشريق إلى آخر النفر .

                  وأما عبد الله بن عمر فقد رويت عنه في ذلك ثلاثة أقوال ، فمنها ما :

                  1565 - قد حدثنا إبراهيم بن منقذ ، قال حدثنا عبد الله بن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر ، كان يقول : الأيام المعلومات يوم النحر [و]يومان بعده من أيام التشريق ، والأيام المعدودات في الأيام الثلاثة ليس منها يوم النحر .

                  وقال مالك بن أنس مثله فهذا يوافق ما قد رويناه عن علي بن أبي طالب في الأيام المعلومات .

                  1566 - وقد حدثنا محمد بن زكرياء ، قال حدثنا الفريابي ، قال حدثنا إسرائيل ، عن بوير بن أبي فاختة ، عن محمد بن علي ، عن ابن عمر ، في قوله عز وجل : ( في أيام معلومات ) ، قال : العشر ، والمعدودات أيام منى ثلاثة أيام بعد النحر .

                  فهذا يوافق ما رويناه عن ابن عباس في الأيام المعلومات وقد روي عن ابن عمر في ذلك أيضا ما :

                  1567 - قد حدثنا محمد بن أحمد الواسطي الجواربي ، قال حدثنا أبو الصلت محمد بن يعلى ، قال حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : [ ص: 203 ] المعلومات الأضحى ، والمعدودات بعده .

                  فهذا خلاف ما رويناه في هذا الباب عن علي رضي الله عنه ، وخلاف ما رويناه فيه عن ابن عباس ، لأن هذا أخرج يوم النحر أن يكون من الأيام المعلومات ، ولا نرى هذا إلا وهما ، لأنا لا نعلمه أضيف إلى أحد سوى ابن عمر في هذا الحديث وقد روينا من حديث حيوة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، خلافه .

                  1568 - وقد حدثنا سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم : في الأيام المعلومات ، قال : هي أيام العشر فيها يوم النحر ، والأيام المعدودات أيام التشريق ، ولم يحك في ذلك خلافا وهذا المشهور عند الناس من قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، غير أن أحمد بن أبي عمران ذكر لنا ، عن بشر بن الوليد ، قال : كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام المعلومات ، فأملا على أبي يوسف جواب كتابه إليه : سألت عن الأيام المعلومات ، وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، فروي عن علي بن أبي طالب ، وعن عبد الله بن عمر ، أنهما كانا يقولان : هي أيام النحر ، وإلى هذا القول أذهب ، لأن الله عز وجل قال في كتابه : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) ، فهي أيام النحر .

                  ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما اختلفوا فيه منه ، فوجدنا قوله عز وجل : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ، يحتمل أن يكون أراد به أيام النحر ليكون الذكر لله عز وجل ، على بهيمة الأنعام فيها كلها حتى يتبين بذلك من سائر الأيام سواها ، ويكون ذكره عز وجل إياها بالأيام دليلا على صحة ما ذهب إليه علي بن طالب ، وعبد الله بن عمر فيها ، وعلى خلاف ما ذهب إليه آخرون فيها فيحتمل قوله عز وجل : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ، أن يكون أراد به أيام العشر كما قال عبد الله بن عباس ، ويكون ذكره على بهيمة الأنعام في يوم النحر خاصة ، ويكون ذكره بتكرره فيها في كل سنة من السنين أياما ، فتصير جملتها أياما .

                  [ ص: 204 ] فلم نجد في هذا المعنى ما يفضي لواحد من القولين اللذين ذكرنا على القول الآخر ، غير أنا لما وجدنا يوما واحدا من أيامها فيه نحر ، واختلف فيما سوى ذلك اليوم منها ، فقال قوم : هو أيضا من أيام النحر ، وقال آخرون : هو من غير أيام النحر ، كان الأولى إما أن نجعله من أيام النحر ليكون ما اختلف فيه منها من جنس ما قد أجمع عليه منها وقد قال قائل : إن الله عز وجل لما ذكر الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات باسمين مختلفين ، كان الأشبه في ذلك أن يكونا شيئين مختلفين فكان من الحجة عليه لمخالفته في ذلك إن الله عز وجل قد ذكر شهور الحج في كتابه ، فقال : ( الحج أشهر معلومات ) ، وذكر شهور الحرم في كتابه ، فقال : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ) ، فكان قد سمى كل واحد من الصنفين باسم غير الاسم الذي سمى به الآخر وكان قد دخل في ذلك بعض أيام أحد الصنفين في أيام الصنف الآخر ، لأن العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج ، ومن الأشهر الحرم عند أهل العلم جميعا ولم يمنع اختلاف اسميهما من رجوع معناهما إلى أيام واحدة ، فما أنكر أن تكون المعلومات والمعدودات وإن اختلفت أسماؤهما ، أن يكون ذلك يرجع إلى أيام واحدة ، وإنما يكون كل صنف من الأيام غير الصنف الأخير في الشيئين اللذين يتضادان ويتنافيان ، فيكون أحدهما إذا وجب في يوم نفى وجوب الآخر فيه ، فأما الشيئان اللذان لا يتضادان ، ولا يتنافيان ، فلا ينفي وجوب أحدهما في يوم وجوب الآخر في ذلك اليوم .

                  فكان القياس عندنا في الأيام المعلومات ما روي فيها عن علي بن أبي طالب ، وعن عبد الله بن عمر ، وما حكاه بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف فيها وإنما يريد بقول ابن عمر الموافق فيما رويناه عنه لما رويناه عن علي بن أبي طالب في هذا الباب .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية