الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  والذي يفوته الحج لا يلبي قبل دخوله مكة حتى يرى عروشها في قول الذين يوجبون ذلك على المعتمر . ولا يلبي بعد دخول مكة حتى يستلم الحجر في قول الذين يوجبون ذلك على المعتمر . أولا ترى أن من كان في الحرم ، فأراد أن يحرم بعمرة أمر أن يخرج بها إلى الحل حلالا فيحرم بها مما هناك ، ثم يدخل إلى الحرم في حرمتها ، وهذا الذي فاته الحج ليس كذلك . لأنه لو صار إلى الحرم بعد فوات الحج إياه لم يؤمر بالخروج منه إلى الحل حتى يلبي منه بالعمرة كما يفعل المعتمر ، ولكنه يؤمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، ويحلق فيحل ، ويكون عليه مع ذلك ما استيسر من الهدي في قول الطائفة التي توجب ذلك عليه . فدل ما ذكرنا أن الذي فاته الحج قد فاتته أعمال الحج من الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، ومن الإقامة بمنى وبعرفة ، وبالمزدلفة . وذلك فيما إذا فات لم يقض لأنه محصور بوقت معلوم ولم يطلق للناس أن يفعلوه إلا في وقته ذلك . وفي الحج أشياء سوى ذلك مما لم تحصر بأوقات معلومة وهي الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة . فأمر الذي فاته الحج بأن يفعل من الحج ما لا وقت له معلوم ، ثم يحلق فيحل بذلك ، ولم يؤمر أن يفعل ما فاته وقته حتى يحرم بالحج عاملا قائلا فيفعل فيه ما قد فاته في حجه الأول مما لا يصلح له أن يفعله إلا وهو حرام . وأمر مع ذلك بأن يأتي بتمام الحج . لأن من دخل في الحج لم يصلح له الخروج منه إلا مثل ما يخرج به الخارج من .

                  [ ص: 22 ] الأسباب التي أمر أن يأتي بها ، وأن لا يقصر عنها في الحج وقد ذكرنا تأويل قوله عز وجل :

                  ( فمن فرض فيهن الحج ) ، وإن ذلك الفرض هو الإيجاب للحج بالدخول فيه .

                  ولم يبين لنا عز وجل في كتابه كيف ذلك الدخول ؟ وقد روي في تأويل ذلك عن إبراهيم وعطاء ما :

                  1139 - قد حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا ، قال حدثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : ( فمن فرض فيهن الحج ) قال : من أحرم فيهن .

                  1140 - وما قد حدثنا محمد بن زكرياء ، قال حدثنا الفريابي ، عن سفيان عن العلاء بن المسيب ، عن عطاء : ( فمن فرض فيهن الحج ) قال : التلبية .

                  ووجدنا أهل العلم جميعا على هذا التأويل ، وعلى أنهم يأمرون من أراد الدخول في الحج أن يلبي له فيدخل فيه بالتلبية ، كما يأمرون من أراد الدخول في الحج لصلاة بالتكبير لها حتى يدخل به فيها . وكانت التلبية التي يأمرونه بها قد روي لنا فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما :

                  1141 - قد حدثنا ابن أبي داود ، قال حدثنا المقدمي ، قال حدثنا حماد بن زيد ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن زيد ، عن عبد الله ، قال : كان تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك .

                  1142 - وما قد حدثنا فهد ، قال حدثنا الحسن بن الربيع ، قال حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن أبي عطية ، قال قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأحفظ كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي فذكرت مثله سواء .

                  1143 - وما قد حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، قال حدثنا عبيدة بن حميد النحوي ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : تلقيت التلبية من رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .

                  [ ص: 23 ]
                  1144 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال حدثنا حجاج بن المنهال ، قال حدثنا حماد بن سلمة ، قال أخبرنا أيوب وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت كذلك .

                  1145 - وما قد حدثنا يونس ، قال حدثنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره عن نافع ، عن ابن عمر : أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت كذلك .

                  1146 - وما قد حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال حدثنا أسد ، قال حدثنا حاتم بن إسماعيل المديني ، قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى في حجه كذلك .

                  1147 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة وفهد ، قالا حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني الليث ، عن ابن الهاد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بذلك أيضا .

                  1148 - وما قد حدثنا أبو أمية قال حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي ، قال حدثنا الليث بن سعد فذكر بإسناده مثله .

                  1149 - وما قد حدثنا أبو أمية ومحمد بن علي بن داود جميعا ، قالا حدثنا محمد بن زياد بن زياد الكوفي الكلبي ، قال حدثنا سرفي بن قطامي ، قال حدثنا أبو طلق العائذي ، قال : سمعت شراحيل بن القعقاع يقول : سمعت عمرو بن معدي كرب يقول : لقد رأيتنا منذ قريب ، ونحن إذا حججنا نقول :


                  لبيك تعظيما إليك عذرا هذه زبيد قد أتتك قسرا     تغدو بها مضمنات شزرا
                  يقطعن حينا وحبالا وعرا


                  قد خلفوا الأنداد خلوا صفرا



                  [ ص: 24 ] ونحن اليوم نقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : قلت ، وكيف علمكم ؟ فذكر التلبية
                  على ما في حديث ابن عمر وجابر سواء .

                  فكانت هذه التلبية التي رويناها عن ابن مسعود ، وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة في التلبية التي رويناها عن ابن عمر وجابر ، وعن عمرو بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهي التلبية التي عليها عامة أهل العلم .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية