الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم في هذا الباب

                                                                                                                                                                              واختلفوا في استبراء العذراء فقالت طائفة: لا تستبرأ. ثبت ذلك عن [ ابن] عمر .

                                                                                                                                                                              8531 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان: وهو أن البكر تستبرأ. هذا قول الحسن البصري ، وعكرمة، وابن سيرين ، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق . وقال [ ص: 229 ] عطاء: عدة العذراء التي قد حاضت إذا اشتريتها: حيضة. وفيه قول ثالث: وهو أنه إذا اشتراها من امرأة: لا يستبرئها. وإن اشتراها من رجل: استبرأها. هذا قول قتادة .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء الحوامل من السبايا حتى يضعن حملهن. وقال: ولا غير حامل حتى تحيض حيضة .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في المعنى الذي له تستبرأ الأمة .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: الاستبراء يجب لمعنيين: للتعبد، ولبراءة الرحم من الحبل. وممن قال هذا معناه: الشافعي .

                                                                                                                                                                              وبه قال الأوزاعي، و [قال] عطاء: والنخعي ، والحسن البصري ، وهشام بن حسان: إن اشتراها من امرأة فليستبرئها. وكذلك قال مالك بن أنس ، والليث بن سعد . وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق . [ ص: 230 ]

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إنما الاستبراء لبراءة الرحم من الولد، فكل من ملك جارية يعلم أنها لم توطأ بعدما حاضت في ملك سيدها إلى [أن] ملكها فلا استبراء عليه، لأن الاستبراء اسم اشتق من براءة الرحم، فإذا علم أن الرحم بريء من الولد فلا معنى للاستبراء .

                                                                                                                                                                              واحتجوا بأن الأخبار جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نهى عن وطء الحبالى من السبي حتى يضعن حملهن، وتستبرأ أرحامهن، وأنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره. ففي ذلك دليل على أن النهي إنما يقع عن الوطء لعلة الحمل. وفي حديث رويفع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من [كان] يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأتين ثيبا من السبي حتى يستبرئها"، فخص الثيب، لأنها قد وطئت، ولم يجعل على البكر استبراء. فإن ثبت هذا الخبر ففيه دليل على الاستبراء لعلة الحمل. وإن لم يثبت، فإنا لا نعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا متصلا بالنهي عن وطء السبايا حتى يحضن غير حديث رويفع هذا، وحديث أبي سعيد، وفي كلا الحديثين مقال لأهل العلم بالحديث. هذا قول طائفة من أهل الحديث . [ ص: 231 ]

                                                                                                                                                                              8532 - حدثنا محمد بن نصر قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن أبي حزم قال: حدثنا سعيد، عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر قال: إذا اشتراها [بكرا] أو اشتراها من امرأة لم يستبرئها .

                                                                                                                                                                              8533 - وروينا عن عكرمة أنه قال في الرجل يشتري الجارية الصغيرة، وهي أصغر من ذلك: لا بأس أن يمسها قبل أن يستبرئها .

                                                                                                                                                                              وقال إياس بن معاوية في الجارية الصغيرة لا تجامع مثلها: لا بأس أن يطأها، ولا يستبرئها .

                                                                                                                                                                              وقال سعيد بن المسيب : إذا اشتراها من امرأة لم يستبرئها. وإذا اشتراها من رجل يثق به، فقال: لم أطأها: فلا استبراء عليه .

                                                                                                                                                                              وقال مالك في الصغيرة التي لا توطأ مثلها: لا أرى عليه استبراء .

                                                                                                                                                                              قال مالك : وأما جارية لم يكن يطؤها الذي باعها، فإن الذي اشتراها إن شاء أخذ بغير استبراء، وهو ينبغي له أن يستبرئها إن أراد أن يطأها. ومن المرأة ينبغي للمشتري أن يستبرئ لنفسه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وقد احتج بعض من يميل إلى هذا القول ويقول: إن الاستبراء هو لبراءة الرحم من الولد، فقال: أحل الله جل ذكره في كتابه [ ص: 232 ] وطء ما ملكت اليمين إحلالا عاما مطلقا، فقال: ( أو ما ملكت أيمانكم ) ، فليس لنا أن نحرم على أحد وطء ما ملكت يمينه في حال من الأحوال إلا بحجة من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو ما في معنى بعض هذه الأصول .

                                                                                                                                                                              فإذا ملك الرجل جارية فعلم في الظاهر الأغلب أنها لم توطأ بعدما حاضت أو كانت ممن لا تحمل مثلها فوطؤها مباح من غير أن يستبرئها، لأنه لم يثبت في تحريم وطء هذه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق أهل العلم عليه .

                                                                                                                                                                              فإن قال قائل ممن يرى أن الاستبراء تعبد، قد وجدنا من النساء من تحيض على الحبل، فإذا كان الاستبراء عندكم لعلة الحمل فقد يلزمكم أن لا تبيحوا وطأها بعد الحيضة الواحدة، لأنكم لا تدرون لعل بها حملا، لأن المرأة قد تحيض على الحبل، قيل لا [يلزمنا] من ذلك شيء، إلا لزمكم مثله، لأنكم تبيحون وطأها بعد الحيضة فيلزمكم في [هذه] مثل ما ألزمتمونا في تلك .

                                                                                                                                                                              فإن دفعوا ذلك بأن الذي يجب أن يحمل عليه الأغلب من أمر النساء، إذ الأغلب من أمورهن أنهن لا يحضن على الحبل، فالجواب فيما أدخلوا علينا كالجواب فيما يدخل عليهم في هذه .

                                                                                                                                                                              وقال قائل: يقال لمن قال: إن الاستبراء تعبد: ما تقول في رجل تزوج بأمة ثم طلقها - بعدما وطئها - (طلقة) واحدة يملك رجعتها، [ ص: 233 ] أو خالعها، هو غير مالك لرجعتها ثم اشتراها من ساعته قبل أن تغيب عنه، هل عليه أن يستبرئها، وهو يعلم أنه منذ تزوجها لم يطأها غيره، وقد حاضت عنده حيضا؟ فإن قالوا: ليس عليه استبراء تركوا قولهم إن الاستبراء تعبد لعلة الملك .

                                                                                                                                                                              وإن قالوا: يستبرئها، قيل: يستبرئها (بنفسه) ، أو من غيره؟ فإن قالوا: من نفسه فقد أتوا بما لا معنى له و (ما) لا يخفى على أهل العلم غلطهم فيه. وإن قالوا يستبرئها من غيره، قيل لهم: وكيف يستبرئها من غيره، وهو يعلم أن غيره لم يطأها منذ تزوج بها!

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية