الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              إجارة الدواب

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في الرجل يكتري الدابة إلى موضع يسمي بأجر معلوم فيتعدى، ويجاوز ذلك الموضع، ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المصير إليه .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: إذا جاز ذلك المكان ضمن، وليس عليه في التعدي كراء. هكذا قال سفيان الثوري . وقال النعمان : الأجر له فيما سمى، ولا أجر فيما لم يسم، لأنه قد خالف فهو ضامن، ولا يجتمع عليه الضمان والأجر، وكذلك قال يعقوب . وروي معنى هذا القول عن الشعبي . [ ص: 133 ]

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: هو ضامن وعليه الكراء، كذلك قال الحكم وابن شبرمة .

                                                                                                                                                                              وعليه عند الشافعي كراء الذي سمى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك المكان، ولو عطبت لزمه قيمتها .

                                                                                                                                                                              وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور : عليه الكراء والضمان .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثالث: وهو أن له الأجر فيما سمى، وفيما خالف إن (يسلم) وإن لم يسلم ذلك ضمنه، ولا يجعل عليه أجرا في الخلاف إذا ضمنه. هذا قول ابن أبي ليلى .

                                                                                                                                                                              أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة على أن يحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها ما اشترط فتلفت ألا شيء عليه، وهكذا إن حمل عليها [عشرة] أقفزة شعير .

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيمن اكترى دابة أن يحمل عليها عشرة أقفزة قمح فحمل عليها أحد عشر قفيزا .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: هو ضامن لقيمة الدابة، وعليه الكراء. هذا قول الشافعي ، وأبي ثور . [ ص: 134 ]

                                                                                                                                                                              وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه قيمتها تامة، ولا أجر عليه .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: عليه الكراء كاملا، وعليه جزء من أحد عشر جزءا من قيمة الدابة بقدر ما زاد عليها من الحمل. هذا قول النعمان ، ويعقوب ، ومحمد .

                                                                                                                                                                              وقال ابن القاسم : لا ضمان عليه في قول مالك إذا كان القفيز - يعني الزائد - لا يفدح الدابة، ويعلم أن مثله لا تعطب فيه الدابة، ولرب الدابة أجر القفيز الزائد .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يكتري الدابة ليركبها بسرج فركبها بإكاف، أو اكترى دابة بسرج فأخذ سرجه وأسرجه بسرج برذون .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: ينظر فإن كان الذي جعل عليه أثقل من الذي نزع عنه أو أضر عليه كان ضامنا للدابة إن حدث بها حدث، وعليه الأجرة وكراء ما زاد، وإن كان لا يضر بها، وكان أخف مما كان عليه فليس عليه إلا الأجرة الأولى. هذا قول أبي ثور .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إذا تكاراها ليركبها بسرج فجعل عليها إكافا فهو ضامن بقدر ما زاد، لأنه قد خالف حين وضع السرج عنها وأوكفها. هذا قول النعمان . [ ص: 135 ]

                                                                                                                                                                              وقال النعمان : إن كان حمارا مسرجا بسرج حمار فأسرجه بسرج برذون لا يسرج بمثله الحمر فهو بمثل الإكاف. وكذلك قال أبو يوسف ، ومحمد .

                                                                                                                                                                              وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن استأجر حمارا بإكاف فأسرجه فلا ضمان عليه، لأن السرج أخف .

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيمن اكترى حمارا من المكاري يبلغ عليه إلى موضع ذاهبا وراجعا .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: عليه أن ينزل عنه في المكاريين في الموضع الذي اكتراه، وكذلك الحمال إن اكترى من موضع إلى مكة .

                                                                                                                                                                              هذا قول أبي ثور .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إذا اكترى دابة من بلد إلى الكوفة ليركبها فله أن يبلغ عليها إلى منزله (في) أي موضع كان من الكوفة، وكذلك لو حمل عليها متاعا .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل تكون عنده الدابة وديعة فيركبها بغير إذن صاحبها ثم يردها إلى مكانها .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: إذا ردها إلى مكانها سقط عنه الضمان. كذلك قال أبو ثور . وكان النعمان يقول: [لا ضمان عليه] ، ثم قال بعد ذلك: [ ص: 136 ] هو ضامن، لأنه ضمن حين خالف، ولا يبرئه من الضمان إلا دفعها إلى صاحبها. وكذلك قال أبو يوسف ، ومحمد .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا قول الشافعي ، وبه نقول .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يكري دابته أو عبده ثم يريد بيعه .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: ليس له بيعه فإن باع فالمكتري أحق به حتى ينقضي وقت الكراء. هذا قول أبي ثور . وكذلك قال مالك في الرجل يكري الظهر ثم يريد أن يبيع ذلك الظهر، قال: ليس ذلك له .

                                                                                                                                                                              وقال أبو حنيفة : إذا واجر عبده ثم باعه، قال: ليس هذا بعذر .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : أما البيع [فلا] يمنع منه .

                                                                                                                                                                              فإن كان المشتري عالما بالكراء فلا خيار له، ويقبضه وقت انقضاء الكراء، وإن لم يعلم بالكراء فله الخيار إن شاء فسخ وإن شاء صبر إلى الوقت، لأن حق المكتري قبل حق المشتري .

                                                                                                                                                                              وإذا اكترى دابة بعينها فوجدها جموحا، أو عضوضا، أو نفورا، أو بها عشى، أو غير ذلك مما يفسد ركوبها فالمكتري [ ص: 137 ] بالخيار، إن شاء أخذها، وإن شاء ردها ونقض الإجارة. وهذا قول أبي ثور ، وأصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية