الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر العبد بين الرجلين يكاتبه أحدهما دون شريكه

                                                                                                                                                                              واختلفوا في العبد بين الرجلين يكاتبه أحدهما بغير إذن شريكه : فقالت طائفة : لا يجوز ذلك .

                                                                                                                                                                              هذا قول مالك بن أنس ، والشافعي . [ ص: 546 ]

                                                                                                                                                                              وكره ذلك حماد بن أبي سليمان ، وسفيان الثوري .

                                                                                                                                                                              وقال الحسن البصري في عبد بين ثلاثة (يكاتبه) أحدهم يؤخذ منه ما أخذ منهم منه ، فيقسم بين شركائه والعبد بينهم لا يجوز كتابته .

                                                                                                                                                                              وقال حماد بن أبي سليمان ، وداود بن أبي هند ، وحميد ، وعثمان البتي في عبد بين رجلين كاتبه أحدهما بغير إذن من صاحبه ، قالوا : ما أخذ منه فهو بينهما نصفان .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا في العبد يكون بين الرجلين : أن أحدهما لا يكاتب نصيبه ، أذن في ذلك صاحبه أو لم يأذن إلا أن يكاتباه جميعا ، لأن ذلك يعقد له عتقا ، ويصير إذا أدى العبد ما كوتب عليه إلى أن يعتق نصفه ، ولا يكون على الذي كاتبه أن يستتم عتقه ، وذلك خلاف لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة عدل" . فإن جهل ذلك حتى يؤدي المكاتب أو قبل أن يؤدي ، رد الذي كاتبه ما اقتضى من المكاتب فاقتسمه هو وشريكه على قدر حصصهما ، وبطلت [كتابته] ، وكان عبدا لهما على حاله الأول .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول : وإذا كان العبد بين رجلين فكاتب أحدهما نصيبه بغير إذن شريكه ، فالكتابة مفسوخة ، وما أخذ بينهما نصفان ما لم [ ص: 547 ] يؤد جميع الكتابة ، فإن أدى جميع الكتابة عتق نصف المكاتب وكان كمن ابتدأ العتق في عبد بينه وبين رجل إن كان موسرا أعتق عليه [كله] ، وإن كان معسرا عتق منه ما عتق ، ولو ردت الكتابة قبل الأداء كان مملوكا بينهما ، ولو أعتقه مالك النصف الذي لم يكاتب قبل الأداء كان نصفه منه حرا ، وإن كان موسرا ضمن النصف الباقي ، لأن الكتابة كانت فيه باطلة ولا أخير العبد ، لأن عقد الكتابة كان فاسدا ، وإن كان معسرا عتق منه ما عتق ، وكانت الكتابة بينهما باطلا ، إلا أن يشاء مالك العبد أن يجددها . وكان الشافعي يجيز أن يكاتب الشريك العبد كله بإذن شريكه فيكون الشريك وكيلا لشريكه في كتابته (بمكاتبه) كتابة واحدة فيكون بينهما نصفان .

                                                                                                                                                                              وقال سفيان الثوري : وإذا كان العبد بين رجلين فليس لأحدهما أن يكاتبه دون صاحبه ، فإن فعل ردت مكاتبته وما أخذ منه بينهما ، الأشجعي عنه .

                                                                                                                                                                              وقال الفريابي : سئل سفيان عن عبد بين رجلين كاتب أحدهما نصيبه قال : أكره ذلك . قيل : فإن فعل ؟ قال : أرده إلا أن يكون نقده ، وإن كان نقده ضمن شريكه نصف ما في يده ويتبع هذا المكاتب بما أخذ منه ويضمن لشريكه نصف القيمة إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال استسعي العبد .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وعرضت هذه المسألة من قول الثوري على أحمد بن [ ص: 548 ] حنبل ، فقال أحمد : كتابته جائزة ، إلا أن ما اكتسب المكاتب أخذ الآخر نصف ما اكتسب ولا يستسعي العبد .

                                                                                                                                                                              قال إسحاق - كما قال سفيان : لأنا نلزم السعاية العبد إذا كان بين اثنين فأعتق أحدهما ولا مال له .

                                                                                                                                                                              وقال النعمان في عبد بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب نصيبه وأن يقبض ففعل فكاتب نصيبه (وضمن) بعضها ثم عجز المكاتب وذلك في يد المولى القابض بعينها قال : لا يرجع شريكه في شيء وإن كان قد استهلكها الذي قبض ثم عجز لم يرجع المولى الذي لم يقبض على الذي قبض في قول أبي حنيفة .

                                                                                                                                                                              وقال النعمان في عبد بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب نصيبه بألف ويقبض فكاتب وقبض بعض المكاتبة ثم عجز المكاتب والمال في يد الذي قبض قال : هو له .

                                                                                                                                                                              وقال يعقوب ومحمد : هو مكاتب كله بينهما نصفان وكل ما أدى فهو بينهما (نصفين) .

                                                                                                                                                                              وسئل الأوزاعي عن العبد بين رجلين يكاتب أحدهما والآخر غائب قال : يؤدي إلى الغائب مثل ما يؤدي إلى الذي كاتبه ، فإذا أدى ، قوم قيمة عدل ثم (سعى) في نصف قيمة الغائب وهدرت نصف القيمة عنه . قيل : [ ص: 549 ] فلمن ولاؤه ؟ قال : للأول الذي كاتبه . (قيل) : فكاتباه جميعا ثم إن أحدهما أعتق نصيبه ؟ قال : يقوم قيمة عدل ثم يضمن الذي أعتق لصاحبه نصف القيمة .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان : وهو إجازة أن يكاتب أحدهما نصيبه .

                                                                                                                                                                              قال شعبة : سألت الحكم وحمادا عن عبد كان بين رجلين فكاتب أحدهما نصيبه فلم ير به الحكم بأسا .

                                                                                                                                                                              وكان ابن أبي ليلى يقول في عبد بين رجلين كاتبه أحدهما بغير إذن صاحبه ولا رضاه ، فأنكر ذلك صاحبه قبل أن يؤدي المكاتب شيئا : أن المكاتبة جائزة ليس للشريك أن يردها ولو أن الشريك أعتق العبد ، فإن عتقه [باطل] في قول ابن أبي ليلى حتى ينظر ما يصنع في المكاتبة ، فإن أداها إلى صاحبها عتق فكان الذي كاتب ضامنا لنصف القيمة والولاء [كله] له .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : قد ذكرنا عن أحمد بن حنبل قوله .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية