الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر عدة الزانية وهل للزاني بها أو لغيره أن يتزوج بها

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في المرأة الزانية هل عليها عدة أم لا؟ فقالت طائفة: لا عدة عليها. هذا قول الثوري، والشافعي ، وأصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              8558 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع قال: جاء رجل إلى أبي بكر فذكر أن ضيفا له افتض أخته استكرهها على نفسها، فسألهما فاعترفا بذلك، فضربه أبو بكر الحد، ونفاه سنة إلى فدك ولم ينفها، لأنه استكرهها، ثم زوجها أبو بكر وأدخله عليها .

                                                                                                                                                                              8559 - حدثنا محمد بن نصر قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبدة بن سليمان قال: أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، بينا أبو بكر جالس في المسجد وعنده عمر إذ أقبل رجل حتى وقف على عمر فلاث لوثا من الكلام وهو دهش. فقال أبو بكر لعمر: قم إلى الرجل فانظر ما يقول فإن له لشأنا، قال: ما لك؟ قال: إنه ضافه الليلة ضيف، فزنا بابنته، فضرب عمر في صدره وقال: قبحك الله، ألا سترت ابنتك وأقمت عليها حدها، ثم رفع شأنهما إلى [ ص: 276 ] أبي بكر، فدعا بهما فاعترفا، فضربهما حدهما، وزوج أحدهما من الآخر في مجلسه ذلك ثم أمر بهما فغربا حولا .

                                                                                                                                                                              8560 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع سباع بن ثابت الزهري يقول: إن موهب بن رباح تزوج امرأة، للمرأة ابنة من غير موهب، ولموهب ابن من غير امرأته، فأصاب ابن موهب ابنة المرأة، فرفع ذلك إلى عمر، فحدهما، وحرص على أن يجمع بينهما، فأبى ابن موهب .

                                                                                                                                                                              وقد احتج بعض من يقول بهذا القول بأن إيجاب العدة على الزانية إيجاب فرض، والفرض لا يوجبه إلا كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في الباب أعلى مما روي عن أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب، والقول بما قالا يجب، ولم يخالفهما بعلمه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر" . [ ص: 277 ]

                                                                                                                                                                              وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: عليها العدة. هذا قول الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي . وقال الزهري : بلغنا أن السنة في الولائد اللائي يبغين وهن يحضن أن يعتددن حيضة واحدة .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : إذا زنت المرأة ثم أراد أن يتزوجها الذي زنى بها لا ينكحها هو ولا غيره حتى يستبرئها من وطئه. وقد اختلفوا في نكاح الزانية وهي حامل من الزنا. فحفظي عن الشافعي أنه قال: نكاحها جائز، وبه قال النعمان ، وابن الحسن .

                                                                                                                                                                              وقال مالك في رجل زنى بامرأة فحملت منه ثم نكحها وهي حامل فولدت أولادا: أن الولد الأول لا يلحق به، وأما ما بعده فيلحق به، ويفارقها، وتعتد ثلاث حيض ثم نكحها إن شاء، وعليها الحد .

                                                                                                                                                                              وقال سفيان الثوري في رجل تزوج امرأة حاملا من السبي، أو من فجور: يفرق بينهما، وعرضت عليه هذه المسألة من قول الثوري - على [ ص: 278 ] أحمد - فقال أحمد: جيد، وبه قال إسحاق، وهو قول يعقوب .

                                                                                                                                                                              وقال الأوزاعي: إذا زنى بامرأة لا يتزوجها حتى تحيض حيضة. هذا أدناه، وهذا أحب إلي .

                                                                                                                                                                              وقال الأوزاعي في امرأة غلبها رجل على نفسها اجتمعا عليها في طهر واحد، قال: يكف عنها زوجها حتى تحيض حيضة .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن ابن عباس وغيره أنهم أباحوا وطء الجارية الفاجرة .

                                                                                                                                                                              8561 - حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب، عن سعيد بن أبي الحسن قال: دخلت على ابن عباس أول النهار فوجدته صائما، ثم دخلت عليه من آخر نهاري ذلك فوجدته مفطرا، فسألته عن ذلك فقال: رأيت جارية لي فأعجبتني، فأصبتها، أما إني أزيدك أخرى، إنها كانت قد أصابت فاحشة فحصناها .

                                                                                                                                                                              8562 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق ، عن الثوري، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه وقع على جارية له فجرت، فقلت له: أوتقع عليها وقد فجرت؟! فقال: إنها - لا أم لك - (يميني) .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه وقع على جارية له فجرت . [ ص: 279 ]

                                                                                                                                                                              وقال محمد بن الحسن في الأمة تزني: ليس على سيدها أن يستبرئها، قال: وليس في الزنا استبراء، ثم قال: فإن حملت لم يكن له أن يطأها حتى تضع .

                                                                                                                                                                              وقال بعض أصحابنا: هذا تناقض، وإذا لم يكن له أن يطأها إذا حملت فكذلك ليس له أن يطأها حتى تحيض، لأنه لا يدري لعلها حملت .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لا سواء، ليس معنى الحمل مثل الشك في الحمل، يمنع من وطء الحامل من الزنا الأخبار التي ذكرناها عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الكتاب، وتحريم ما ملكت اليمين غير جائز إلا بحجة، إلا حيث منعت السنة من وطء الحبالى، فوطء الجارية التي ليس بحامل مباح، لأن ظاهر الكتاب أباحه وهو قوله: ( أو ما ملكت أيمانكم ) ، ووطء الحامل غير جائز للسنة الثابتة، ولأن الماء يزيد في الولد. وقد ذكرنا عن ابن عباس إباحة وطء الفاجرة مما ملكت اليمين .

                                                                                                                                                                              وقال أبو عبيد : إن العدة واجبة على الزانية كوجوبها على الموطوءة بالنكاح الثابت، وقال: رأينا الله - جل ذكره - عظم حرمة الفروج، حتى أوجب علينا العدة من النطف الطيبة التي أحلها، وأتت الأنساب بها، قال: ففي هذا بيان أن تعظيم حرمتها في النطف المحرمة أكبر وأغلظ .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وقد عارض أبا عبيد بعض أصحابنا وأنكر قوله: إن العدة إنما أوجبها الله تعظيما لحرمة الفروج، وقال: لم يوجب الله العدد لشيء مما ذكره أبو عبيد ، بل أوجب العدد على المطلقات تعبدا [ ص: 280 ] تعبدهن بها لا عقوبة لهن، ولا تغليظا عليهن، ولا لعلة النطفة التي اعتل بها أبو عبيد ، قال: ألا ترى أن رجلا لو وطئ امرأته فحملت منه فلم يطأها بعد ذلك إلى أن وضعت حملها ثم حاضت بعد أن وضعت عشر حيض، ولم يطأها في شيء من ذلك، ثم طلقها: أن العدة تجب عليها، وإن علمت أنها بريئة من الحمل، وقد تجب العدة على المتوفى عنها زوجها وإن لم يكن دخل بها، فدل ذلك على أن العدد تعبد، وليس تغليظا ولا عقوبة، والعقوبات: الحدود التي أوجبها الله على الزناة من الجلد، والنفي، أو الرجم على الثيب، وهو يفرق بين النكاح والزنا فيقول: لو تزوج رجل امرأة فخلا بها، وأغلق بابا، وأرخى سترا، أن الصداق يجب، والعدة بالخلوة، ولو خلا بامرأة أجنبية كخلوته بزوجته لم يكن عليها شيء من عدة، ولا غير ذلك. هذا ترك منه لقوله: إن العدة إذا وجبت من الحلال فهي من الحرام أوجب، واحتج هذا القائل بخبر أبي بكر وعمر، قال: ومع ذلك لا يوجب على الزاني إحدادا كما يوجبه على المتوفى عنها . [ ص: 281 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية