الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              مسائل من كتاب الوديعة

                                                                                                                                                                              واختلفوا في رجل استودع عبدا محجورا عليه أو صبيا وديعة فأكلها .

                                                                                                                                                                              فقال النعمان ومحمد : لا ضمان على الصبي ولا على المملوك حتى يعتق .

                                                                                                                                                                              [وقال يعقوب : الصبي والعبد ضامنان جميعا الساعة] .

                                                                                                                                                                              وقال ابن القاسم - صاحب مالك - في الصبي يودع الشيء : لا يضمن وأومأ إلى أن ذلك قياس قول مالك .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لا يجب أن يلزم الصبي الضمان باختلاف لا حجة مع من أوجب عليه الضمان .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل تكون عنده الوديعة للرجل ، فيجعلها رب المال مضاربة مع المودع ، فأجازت طائفة ذلك ، وممن أجاز ذلك : أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وكان الحسن البصري يقول : الوديعة مثل القرض لا تدفع مضاربة حتى تقبض ، وإذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم وديعة ، وعلى المودع ألف درهم قرضا لرب الوديعة ، فدفع إليه ألفا ، فقال المودع : هذه الألف التي قضيتك هي القرض وتلفت الوديعة . وقال الذي دفع إليه [ ص: 344 ] الوديعة إنما قبضت الوديعة ، والقرض على حاله . فالقول قول القاضي المودع وهو برئ من المالين جميعا ، لأنه في الألف التي كانت عنده وديعة مؤتمن ، القول قوله مع يمينه . وقد قضى في الظاهر ما عليه وهذا يشبه مذاهب الشافعي وبه قال أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وإذا أودع رجل رجلا مالا ، وقال المودع : أمرتني أن أنفقه على أهلك ، أو أتصدق به ، أو أهبه لفلان وأنكر المودع ذلك ، فالقول قوله مع يمينه ، وهذا على مذهب أصحاب الشافعي وغيره ، وبه قال أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وإذا شرط المودع على المودع أنه ضامن للوديعة ، فلا ضمان عليه .

                                                                                                                                                                              كذلك قال الثوري ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وهو يشبه مذهب مالك ، لأن مالكا قال : إذا استعار منه دابة وشرط عليه أنه ضامن لها ، فلا ضمان عليه ، إلا أن يتعدى . وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال : إذا استودع على أن يضمن فهو ضامن .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : بالقول الأول أقول .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا أودعه ألف درهم فجاء رجل فقال : إن رب الوديعة بعثني إليك لتبعث بالوديعة إليه ، فصدقه ودفعها إليه ، فهلكت عنده وأنكر رب الوديعة أن يكون بعثه . [ ص: 345 ]

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة : المستودع ضامن ، ولا يرجع على الرسول بشيء ، (فإن) كان حين جاءه بالرسالة كذبه ، ودفعها إليه على ذلك فهلكت ثم جاء رب الوديعة فأنكر ذلك . قال : المستودع ضامن ويرجع بذلك على الرسول ، وكذلك إن دفع إليه ولم يصدقه ، ولم يكذبه . هذا قول أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : إن علم المودع صدق ما قال الرسول لم يحل له أن يرجع عليه بشيء ، لأنه يعلم أن رب الوديعة ظالم له .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : يضمن الرسول ولم يذكر تصديقه ولا تكذيبه .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يبعث مع رسوله بالمال إلى رجل ، وأمره أن يدفعه إليه ، فقال الرسول : قد دفعته إليه ، وقال المرسل إليه : لم يدفع إلي شيئا .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة : لا يقبل قول الرسول إلا ببينة وإلا غرم . هذا قول مالك .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي : القول قول المستودع مع يمينه ولا ضمان عليه ، لأنه أمين فيها ، فالقول قوله مع يمينه ، لأنه لو قال لرب المال : قد رددتها إليك كان القول قوله مع يمينه ، فكذلك هذا . [ ص: 346 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وسمعت بعض أهل العلم يقول : إن كان للمبعوث إليه بالمال دين أمر الباعث الرسول [أن يدفعه إليه قضاء عما عليه ، ضمن إن لم يدفعه ببينة ، لأن عليه] أن يبرئه منه ، وإن كانت أمانة فالقول قول الدافع مع يمينه ، وإذا أودعه أمة فوقع عليها المستودع فوطئها وأحبلها فالولد رقيق ولا يثبت النسب وعلى الواطئ الحد إذا كان عالما ، وعليها كذلك الحد إذا كانت عالمة ، ولا مهر عليه ، وإن كان ممن [يجهل] ذلك درئ عنه الحد ، وعليه المهر ، إذا كانت جاهلة والولد رقيق والنسب لا يثبت . [ ص: 347 ]

                                                                                                                                                                              [ ص: 348 ] [ ص: 349 ] بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية