الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم فيما يفعل باللقطة بعد التعريف

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيما يفعله الملتقط باللقطة بعد التعريف : فقالت طائفة : ينتفع بها إن شاء . روينا عن عائشة ، أنها قالت لامرأة وجدت خاتما من ذهب : عرفيه فإن عرف فلتؤديه ، وإلا (فانتفعي به) .

                                                                                                                                                                              وروينا عن عبد الله بن مسعود ، أنه قال في اللقطة : إذا احتاج إليها أنفقها . وروينا عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعريفها ، وقال : فإذا مضت سنة فشأنك بها .

                                                                                                                                                                              8658 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا الحجبي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن [ زهير ] بن أبي ثابت ، عن (سلمة) ابنة كعب ، أخت ناجية بن كعب [قالت] : خرجنا حجاجا فوجدت خاتما من ذهب [ ص: 391 ] فعرفته فلم أجد أحدا يعرفه ، فجعلته في يدي ، فلما قدمت لقيت عائشة ، فسألتها وقصصت عليها قصته ، فقالت : عرفيه ولا تأبين أن يعرف فإن عرف فلتؤديه ، وإلا فاستمتعي به .

                                                                                                                                                                              8659 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا مسدد ، قال ابن داود : عن علي بن صالح ، عن العلاء بن المسيب ، عن خيثمة ، عن عبد الله بن مسعود في اللقطة : إذا احتاج إليها أنفقها .

                                                                                                                                                                              8660 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال حدثنا القعنبي ، عن مالك ، عن أيوب بن موسى ، عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني ، أن أباه أخبره أنه نزل منزل قوم بطريق الشام ، فوجد صرة فيها ثمانون دينارا ، فذكره لعمر بن الخطاب ، فقال له عمر : عرفها على أبواب المسجد ، واذكرها لمن تقدم من الشام ، فإذا مضت سنة ، فشأنك بها .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول : يعرفها سنة ، ثم يأكلها إن شاء موسرا كان أو معسرا فإذا جاء صاحبها ، ضمنها له ، وبه قال أحمد بن حنبل ، [ ص: 392 ] وإسحاق بن راهويه .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة : يعرفها ، فإن جاء صاحبها ، وإلا تصدق بها . روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمرو ، وبه قال عكرمة وطاوس وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ، وفي حديث علي أنه قال : فإن جاء صاحبها فخيره بين الأجر وبين أن يغرمها له .

                                                                                                                                                                              8661 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا أبو بكر ، ثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، عن رجل من بني رؤاس ، قال : التقطت ثلاثمائة [درهم] فعرفتها تعريفا ضعيفا ، وأنا يومئذ محتاج ، فأكلتها حين لم أجد من يعرفها ، ثم أيسرت ، فسألت [عليا] .

                                                                                                                                                                              فقال : عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، فادفعها إليه ، وإلا فتصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره بين الأجر ، وبين أن تغرمها له .

                                                                                                                                                                              8662 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، أن رجلا أتى عليا ، فقال له علي : عرفها ، فإن عرفها صاحبها ، فادفعها إليه ، وإلا فتصدق بها وذكر الحديث .

                                                                                                                                                                              8663 - حدثنا موسى بن هارون ، عن رجل ، حدثنا زيد بن حباب ، [ ص: 393 ] عن ابن أبي ذئب ، عن المنذر بن أبي المنذر ، أنه وجد صرة مسك ، فسأل عنها ابن عباس فقال : عرفها . فقال : قد عرفتها فلم أجد من يعرفها ، حتى قال مرتين أو ثلاثا . قال : (فتصدق) بها . فقال : أطيب بها الكعبة ؟ فقال : لا ، إن الكعبة غنية عنها .

                                                                                                                                                                              8664 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق عن الثوري ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن [غفلة ] ، عن عمر بن الخطاب قال في اللقطة : تعرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فتصدق بها ، فإن جاء صاحبها بعد ما تتصدق بها ، خيره ، فإن اختار الأجر كان له ، وإن اختار ماله كان له ماله .

                                                                                                                                                                              وكان عطاء يقول بقول عكرمة ثم صار إلى حديث عمرو بن شعيب يعني قوله : عرفها سنة ثم شأنك بها . وممن قال : يعرفها حولا ثم يتصدق بها ، ويخير صاحبها إذا جاء بين الأجر أو (الغرامة) له : مالك بن أنس ، والحسن بن صالح ، وأصحاب الرأي ، وقال سفيان الثوري في دراهم وجدها رجل في بطن بقرة اشتراها ، فقال [ ص: 394 ] صاحب البقرة : ليست لي، تعرفها ، فإن لم تجد من يعرفها اجعلها في ذوي الحاجة .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة : يجعلها في بيت مال المسلمين . روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وابن عمر . وثبت عن ابن عمر أنه قال : عرفها لا آمرك أن تأكلها .

                                                                                                                                                                              8665 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد ، قال : وجدت خمسمائة درهم بالحرة ، فأتيت بها عمر فقال : عرفها ، واعمل بها ، فعرفتها وعملت بها حتى أديت مكاتبتي ثم أتيت عمر . فقال : ألقها في بيت المال .

                                                                                                                                                                              8666 - حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا يزيد بن هارون ، الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى بني أسيد قال : وجدت خمسمائة درهم بالحرة وأتيت بها عمر . فقال : عرفها واعمل بها ، فعرفتها وعملت بها حتى أديت مكاتبتي ثم أتيت عمر . فقال : ألقها في بيت المال .

                                                                                                                                                                              8667 - حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى بني أسيد ، قال : كنت ألتقط النوى بالمدينة فأؤدي إلى موالي [ ص: 395 ] الضريبة وكان همشاريج أضع عنده ما فضل ، فبينا أنا ذات ليلة ألتقط إذ أصبت ظبية فيها ألف ومائتا درهم وقلبان من ذهب ، فوالله ما ائتمنت عليها همشاريج حتى أتيت نخل أهلي ، فدفعتها في أصل نخلة ثم أتيت موالي ، فقلت : ( أبو) سعيد ، قال : نعم . فقلت : كاتبني . فقال : أتجد ما تؤدي ؟ ! قلت : إن الله يرزق من يشاء . قال : أكاتبك على ألف ومائتي درهم [فكاتبني على ألف ومائتي درهم] فأتيت بالظبية فصببتها بين يديه فأخذ [ألفا] ورد المائتين والقلبين فعملت فيها حتى ربحت وتزوجت ، وعادت إلي ما كانت فتحرجت منها ، فأتيت عمر بن الخطاب ، فذكرت له ذلك . فقال : أما من رق الدنيا فقد عتقت ، وأما أنت فاعمل فيها ، وأشعها حولا ، وأكثر ذكرها ، فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه ، وإلا فآذني على رأس الحول فعرفتها حولا ، فلم أجد من يعرفها ، فأتيته فذكرت ذلك له ، [فأخذها] مني ، وقال : لك ما ربحت .

                                                                                                                                                                              8668 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا [ ص: 396 ] يحيى ، عن شعبة ، عن أبي حمزة - جار له - قال : سمعت ابن عمر يقول في اللقطة : ادفعوها إلى السلطان .

                                                                                                                                                                              8669 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا حماد ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر سئل عن اللقطة . فقال : عرفها ، لا آمرك أن تأكلها ، لو شئت لم تأخذها .

                                                                                                                                                                              8670 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مسعر ، عن حبيب ، عن ابن عمر قال : ادفعها إلى الإمام يعني : اللقطة .

                                                                                                                                                                              وحكي عن عبيد الله بن الحسن ، أنه قال : إن لم يعرف صاحبها دفعها إلى القاضي ، ولا نرى للقاضي أن يأمر من يتصدق بها .

                                                                                                                                                                              والذي أقول : أن يعرف اللقطة سنة فإن جاء صاحبها دفعها إليه ، وإن لم يأت فله أن يفعل بها ما شاء ، إن شاء أمسكها وانتفع بها ، وإن شاء تركها وترك الانتفاع ، وإن شاء تصدق بها ، فإذا جاء صاحبها وقد أنفقها أو تصدق بها فهو ضامن لمثلها إن كان لها مثل ولقيمتها إن لم يكن لها مثل .

                                                                                                                                                                              تدل الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، من ذلك حديث [ ص: 397 ] زيد بن خالد الجهني : .

                                                                                                                                                                              8671 - حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا سعيد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، قال : سمعت ربيعة يحدث ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني : أن رجلا وجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مالا - مائة دينار - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اعرف وكاءها وعفاصها ولا يدخل ركب إلا أنشدت بذكرها ثم أمسكها حولا ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه وإلا فاصنع بها ما تصنع بمالك" .

                                                                                                                                                                              8672 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي العلاء ، عن مطرف بن عبد الله ، عن عياض بن حمار ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال : "تعرف ولا تغيب ولا تكتم ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فغير جائز منع الملتقط أن يستمتع باللقطة ويأكلها ، وقد أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فإن زعم زاعم أن الأموال ممنوعة أن ينتفع بها إلا بإذن أصحابها قيل وكذلك غير جائز أن يتصدق المرء بمال غيره إلا بإذن صاحبه ، ولا فرق بين من أكلها ومن تصدق بها من جهة النظر غير أنا اتبعنا الخبر ولا مدخل للنظر مع الخبر ، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للملتقط أن يستمتع به ، وممن أذن له في ذلك أبي بن كعب وهو من [ ص: 398 ] مياسر أهل المدينة ، فأما حديث عبد الله بن مسعود الذي فيه ذكر الصدقة بثمن الجارية فمخالفنا لا يقول به ويزعم أن الدين لا يبرأ منه إلا بدفعه إلى صاحبه ، لا يبرأ منه إذا تصدق به .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا أكل الملتقط اللقطة بعد السنة وجاء صاحبها غرمها ، وهذا قول مالك ، والشافعي ، والكوفي .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية