الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر مقاطعة المكاتب

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يكاتب عبده كتابة على ما يجوز أن يكاتبه عليه ثم يقاطعه من ذلك على شيء معلوم .

                                                                                                                                                                              فأجازت طائفة ذلك ، وممن لم ير به بأسا عبد الله بن يزيد بن هرمز ، وقال القاسم بن محمد : أدركت الناس وما يرون بمقاطعة المكاتب بأسا .

                                                                                                                                                                              وكان الزهري يقول : ما علمنا به بأسا ، وما علمنا أحدا كرهه إلا ابن عمر . وكان النخعي لا يرى به بأسا إذا كاتبه ثم قاطعه بعد ذلك على الذهب والفضة .

                                                                                                                                                                              وروينا عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بمقاطعة المكاتب بالذهب والفضة . محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب ، عن عمر بن قيس المكي ، عن عطاء بن أبي رباح عنه .

                                                                                                                                                                              وقال أبو الزناد : كان الناس يفعلون ذلك حتى كان خلافة عمر بن عبد العزيز فبلغه أن ابن عمر كان يكره ذلك بالذهب والورق ، قلت : (نهى) عن ذلك . فلما توفي [ ابن] عمر اجتمع أمر الناس أنه [ ص: 508 ] لا بأس به . وقال ربيعة : ما زال أمر الناس على أن يجيزوا مقاطعة المكاتب (مما) قاطع عليه من عرض أو ذهب أو ورق . وقال مالك : الأمر عندنا في الرجل يكاتب عبده ثم يقاطعه بالذهب فيضع عنه مما عليه من الكتابة على أن يعجل له ما قاطعه عليه ، أنه ليس به بأس ابن وهب عنه . وحكى ابن القاسم عنه أنه سئل عن المكاتب يقاطعه سيده بعرض مما عليه ويؤخره بما قاطعه عليه ويعجل له العتق ويؤخره ؟ قال : لا بأس بذلك . قال : وقال مالك فيمن قاطع عبدا له إلى أجل : فإن جاء به إلى الأجل وما أشبهه فذلك له ، وإلا فلا شيء له ، قال : أرى أن يؤخر العبد شهرا أو نحوه كما يؤخر الغريم ، فإن جاء به وإلا فلا قطاعة له . وقال النعمان وأصحابه : إذا كاتب الرجل عبده على دراهم إلى أجل مسمى [نجوما] فيعجل له المكاتب بعض الكتابة على أن يحط ما بقي قبل الأجل فلا بأس به ولا يشبه هذا البيوع ، لأن هذا عبده ومكاتبه قالوا : ولو اشترى الرجل من مكاتبه درهما بدرهمين أفسدنا ذلك ، نأخذ في هذا بالثقة .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان :

                                                                                                                                                                              8725 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، [ ص: 509 ] عن سالم قال : كان ابن عمر ينهى أن يقاطع المكاتبون إلا بالعروض .

                                                                                                                                                                              قال الزهري : وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز .

                                                                                                                                                                              8726 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا القعنبي ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول : إذا قاطع المكاتب فلا يؤخذ إلا عرض لا يؤخذ منه ذهب ولا ورق .

                                                                                                                                                                              وكان الليث بن سعد يقول : لا أرى أن يقاطع المكاتب إلا بعرض يراه ، كمن تعجل بعض دينه ووضع منه قبل محله .

                                                                                                                                                                              وقيل لأحمد بن حنبل : ابن عمر نهى أن يقاطع المكاتب إلا بالعرض .

                                                                                                                                                                              قال : هو مثل قوله أن يعجل له و (يوضع) عنه . قال إسحاق : سواء ، ولكن إذا قاطعه المكاتب بعرض قيمته أقل مما عليه جاز ذلك . قال : وقلت - يعني لأحمد - : يضع عن المكاتب ويعجل له ؟ قال : ما أعلم به بأسا هو ملكه بعد . قال إسحاق : لا يقاطعه أبدا إلا بعرض .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثالث قاله الشافعي قال : وإذا كاتب الرجل عبده على شيء معلوم يجوز له ، فإن أتاه به قبل أن تحل نجومه فعرض عليه أن يأخذ منه شيئا غيره أو يضع عنه منه شيئا ويعجله العتق لم يحل له ، وإن كانت نجومه غير حالة فسأله أن يعطيه بعضها حالا على أن يبرئه من [ ص: 510 ] الباقي فيعتق لم يجز ذلك ، كما لا يجوز في دين (الرجل) على حر أن يتعجل بعضه منه على أن يضع له بعضا . قال الشافعي : فإن فعل هذا في المكاتب رد على المكاتب ما أخذ منه ولم يعتق المكاتب ، لأنه أبرأه مما لا يجوز له أن يبرئه منه ، وإن فعل هذا على أن يحدث للمكاتب عتقا وأحدثه له ، فالمكاتب حر ويرجع عليه سيده بالقيمة ، لأنه أعتقه ببيع فاسد كما قلت في أصل الكتابة الفاسدة ، ولا يكون للسيد على المكاتب من الكتابة شيء ، لأنها بطلت بالعتق ويكون له عليه القيمة كما وصفت ، فإن أراد أن يصح هذا لهما فليرض للمكاتب بالعجز ويرضى السيد منه بشيء (ما) يأخذه منه على أن يعتقه ، فإذا فعل فالكتابة باطل ، والعتق على ما أخذ منه جائز لا يتراجعان فيه بشيء . وكره الحسن البصري في الرجل يكاتب عبده ثم يقاطعه بعد ذلك على الذهب والفضة .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية