الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر ما يفعل باللقطة اليسيرة

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في اللقطة اليسيرة يجدها المرء .

                                                                                                                                                                              فرخصت طائفة فيها ، إذا كانت يسيرة أن ينتفع بها ، ويدع تعريفها .

                                                                                                                                                                              روينا عن عمر بن الخطاب أنه مر بجراب من سويق توطأه الإبل فأخذه فرفعه فلم يجد أحدا يعرفه ، فدعا بقدح فشرب وجعل يخرج للقوم ويسقيهم حتى شربوا ، ثم قال : هذا خير من أن توطأه الإبل .

                                                                                                                                                                              وقال جابر بن عبد الله : كانوا يرخصون في السوط ، والحبل ، ونحوه ، إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به .

                                                                                                                                                                              وروينا أن ابن عمر مر بتمرة في الطريق فأكلها ، وروي عن علي أنه التقط حبة - أو حب - رمان من الأرض فأكلها .

                                                                                                                                                                              وروينا عن عائشة أنها قالت في اللقطة : لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به .

                                                                                                                                                                              8639 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا شبابة ، قال : [ ص: 379 ] حدثنا المغيرة بن مسلم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : بينما عمر في طريق بمكة إذ مر بجراب من سويق توطأه الإبل فأخذه فرفعه بيده وقال : لمن هذا ؟ فلم يجد أحدا يعرفه . قال : فدعا بقدح فجعل فيه من ذلك السويق وشرب ، ثم جعل يخرج إلى القوم ويسقيهم حتى شربوا ما في الجراب أجمع . ثم قال : هذا خير من أن توطأه الإبل .

                                                                                                                                                                              8640 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا المغيرة بن مسلم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنهم كانوا يرخصون في السوط ، والحبل ونحوه إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به .

                                                                                                                                                                              8641 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن منصور ، عن طلحة بن مصرف ، أن ابن عمر مر بتمرة في الطريق فأكلها . [ ص: 380 ]

                                                                                                                                                                              8642 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن مالك بن مغول ، سمعت امرأة تقول رأيت عليا التقط - حبا أو حبة - من رمان من الأرض فأكلها .

                                                                                                                                                                              8643 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا جرير ، قال : سمعت عطاء يذكر أن عليا وفاطمة لبثوا ثلاثة لا يقدرون - يعني يطعمون - فخرج علي ، فوجد دينارا ، فقام يلاوم نفسه في أخذه فحمله ما به من الجهد على أن يأخذه ، فأتى به فاطمة ، فاشترت به - أو قال : فاشترى به - دقيقا ، وإن جبهتهما لتصيب الجفنة من الجهد . قال : فدعوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبر الدينار فأمرهم أن يأكلوا . وقال : "إنما هو رزق ساقه الله إليكم" .

                                                                                                                                                                              8644 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا جابر [عن] عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت في اللقطة : لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به قال زهير : وفسره جابر : السوط وغيره . [ ص: 381 ]

                                                                                                                                                                              8645 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع ، عن طلحة بن يحيى ، عن عبد الله بن فروخ مولى أم سلمة قال : سأل رجل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يجد السوط ؟ فقالت : لا بأس به يصل به المسلم يده . قال : والحذاء ؟ قالت : والحذاء . قال : والوعاء ؟ قالت : لا أحل لك ما حرم الله عليك إن الوعاء تكون فيه النفقة .

                                                                                                                                                                              وكان عطاء وطاوس وجابر بن زيد والنخعي يرخصون في السوط ونحوه ، يأخذه وينتفع به . وكان يحيى بن أبي كثير يقول في لقطة النعلين والسوط والطعام : يستمتع به ويعرف . وقال الحسن بن صالح : يتربص السنة بالعشرة (دراهم) فما قوقها . وما دون العشرة يعرفها ثلاثة أيام ثم يتصدق بها إن شاء . وقال ابن جريج : قال عطاء : إذا كان شيئا يسيرا عرفه أياما قد سمعته يسمي خمسة دراهم .

                                                                                                                                                                              وروينا عن أبي [بشر ] أنه رخص في اللقطة نحوا من خمسة دراهم .

                                                                                                                                                                              قال أحمد بن حنبل : يعرفه سنة . [ ص: 382 ]

                                                                                                                                                                              وقال إسحاق : ما كان دون الدينار عرفه جمعة أو نحوها .

                                                                                                                                                                              وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها . هذا قول مالك والشافعي .

                                                                                                                                                                              وقال أحمد : يعرف كل شيء إلا ما لا قيمة له ، وكذلك قال إسحاق .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا اختلاف من قول إسحاق .

                                                                                                                                                                              وروينا عن أبي هريرة أنه قال في اللقطة : الحبل والزمام ونحو هذا ، (يعرفه) فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به .

                                                                                                                                                                              8646 - حدثنا موسى ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عقبة بن عبيد الله ، قال : حدثني ميسرة [بن] عميرة ، أنه لقي أبا هريرة ، فقال : ما تقول في اللقطة ؟ (فقال) : وما اللقطة ؟ قال : الحبل والزمام ونحو هذا . قال : تعرفه ، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به .

                                                                                                                                                                              وكان مالك يقول : من وجد لقطة دينارا أو درهما ، أو أقل من [ ص: 383 ] ذلك ، فليعرفه سنة إلا أن يكون الشيء اليسير مثل (الفرق) أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك ، فإنه يتصدق به من يومه ، ولا أرى أن يأكله . وقال مالك في الرجل يجد النعلين أو السوط أو أشباه ذلك يأخذه فيعرفه ، فإن لم يجد [له] صاحبا فليتصدق به عنه . فإن جاء صاحبه غرمه ، ولا أرى بأسا أن يتسلفه فيأكله إن كان محتاجا ، وينتفع بالنعلين والسوط المحتاج إليه ، وإن تصدق الغني بقيمته ، فلا أرى بأسا أن ينتفع به .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : في الرجل يجد الطعام بطريق مكة أو الإداوة ونحو ذلك كله : لا يأخذه أحب إلي إلا أن يكون أحدا يضطر إليه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في اللقطة : "اعرف عفاصها" ولم يخص لقطة دون لقطة . فالذي يجب على من التقط لقطة قلت أو كثرت أن يعرفها سنة على ظاهر خبر زيد بن خالد .

                                                                                                                                                                              8647 - حدثنا علان بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني ، أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة . فقال : "عرفها سنة ، ثم اعرف عفاصها ، ووكاءها ، واستنفق ، ثم إن جاء طالبها فادفعها إليه ، وإلا فشأنك بها" . [ ص: 384 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي جوابا عاما يقع على كل لقطة قلت أو كثرت . وليس [لأحد] يستثني من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخبر مثله . ولا نعلم خبرا يوجب أن يستثني به من جملة هذا الخبر إلا خبر أنس - هذا الذي أنا ذاكره إن شاء الله .

                                                                                                                                                                              8648 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى تمرة فقال : "لولا أن تكون صدقة لأكلتها" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فالتمرة مستثناة من جملة ما أمر الملتقط بتعريفه وما له بقاء مما زاد على التمرة ، وما له قيمة ، يجب تعريفه على ظاهر خبر زيد بن خالد ، والله أعلم . واختلفوا في الرجل يلتقط ما لا يبقى إلى مدة التعريف .

                                                                                                                                                                              فكان مالك يقول في الرجل يلتقط ما لا يبقى في أيدي الناس من الطعام : يتصدق به ، أعجب إلي ، ابن القاسم عنه . قيل لابن القاسم : فإن أكله أو تصدق به فأتى صاحبه ؟ قال : لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض . [ ص: 385 ]

                                                                                                                                                                              وفي قول أصحاب الرأي ، (أن الملتقط) ما لا يبقى إذا أتى عليها يومان أو يوم [فسد] قال : فيعرفها ، إذا خاف عليها أن تفسد تصدق بها .

                                                                                                                                                                              وقال الثوري : ما كان يخشى فساده مثل اللحم والخبز والتمر فبعه ، وتصدق به .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول : إذا كانت اللقطة طعاما رطبا لا يبقى فله أن يأكله إذا خاف فساده ، ويغرمه لربه .

                                                                                                                                                                              وحكى المزني أن فيما وجد بخطه : فإذا خاف فساده أحببت أن يبيعه ويقيم على تعريفه . قال المزني : وهذا أولى القولين به ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل للملتقط شأنك به إلا بعد سنة إلا أن يكون في موضع مهلكة كالشاة يأكلها ويعرفها إذا جاء صاحبها .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية