الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر تضمين العارية

                                                                                                                                                                              أجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - على أن [المستعير] لا يملك بالعارية الشيء المستعار ، وأجمعوا كذلك - لا اختلاف بينهم - أن له أن يستعمل الشيء المستعار فيما أذن له أن يستعمله فيه . وأجمعوا كذلك - لا اختلاف بينهم - أن المستعير إذا أتلف الشيء المستعار أن عليه ضمانه واختلفوا في وجوب الضمان عليه إن تلفت العارية من غير جنايته . فقالت طائفة : ليس عليه ضمانها .

                                                                                                                                                                              (و) روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود أنهما قالا ليس : على مؤتمن ضمان ، وإسناد ذلك مذكور في كتاب الوديعة . [ ص: 354 ]

                                                                                                                                                                              وممن كان لا يضمن المستعير : الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي .

                                                                                                                                                                              وقال شريح : ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المستودع غير المغل ضمان .

                                                                                                                                                                              وكتب عمر بن عبد العزيز في العارية : لا يضمن صاحبها ، إلا أن يطلع منه على جناية ، وممن كان لا يضمن العارية : سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ، والنعمان وأصحابه . وسئل الأوزاعي عن العارية هل يضمنها أم لا ؟ فذكر عن عمر بن عبد العزيز ما ذكرناه عنه .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة : العارية مضمونة ، كان ابن عباس يقول : العارية تغرم ، وكذلك قال أبو هريرة .

                                                                                                                                                                              8626 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو [عن] ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : إن العارية تغرم . [ ص: 355 ]

                                                                                                                                                                              8627 - ومن حديث ابن عبد الحكم ، عن ابن وهب قال : أخبرني سفيان بن عيينة ، عن عمرو [بن دينار ، عن عبد الرحمن بن السائب ، عن أبي هريرة ، قال : وحدثني سفيان بن عيينة عن عمرو] بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أنهما قالا : إن العارية تغرم . وبه قال عطاء والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، واحتج الشافعي وأحمد بحديث صفوان .

                                                                                                                                                                              وذكر أحمد : على اليد ما أخذت .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثالث : وهو أن العارية إذا كانت مما يظهر تلفها مثل الرقيق والحيوان والدور وما أشبه ذلك فلا ضمان على المستعير ، إلا أن يتعدى ، وما كان من ثياب أو حلي أو عروض ، فالمستعير ضامن إلا أن يصيبه أمر من قبل الله يعذر به [و] تقوم عليه بينة ، فإذا كان كذلك فلا ضمان عليه في شيء من ذلك ، إلا أن يكون ضيع أو فرط . هذا كله قول مالك ، وحكاية ابن القاسم ، وابن نافع عنه ، يزيد كل واحد منهما على صاحبه في اللفظ ، وحكى أشهب عن مالك أنه سئل عن رجل يستعير دابة على أنه لها [ ص: 356 ] ضامن ، قال : ما أرى عليه ضمانا .

                                                                                                                                                                              وفيه قول رابع : وهو أن المعير إن شرط الضمان في العارية فهي مضمونة ، وإن لم يشترط فليس بشيء . هذا قول قتادة .

                                                                                                                                                                              وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال : إذا اشترط في العارية الضمان فهو ضامن .

                                                                                                                                                                              وقال أبو الزناد : عليه ضمان كل شيء استعاره من حيوان أو غيره حتى يؤدي إلا موت أو مرض يقع من السماء لم يكن هو سببا لشيء منه ، يونس عنه ، قال يونس : وسألت ربيعة عن العارية . فقال : هي مضمونة إلا من موت لا يملك ، وقد حكي عن عثمان (البتي) أنه قال في العارية : هو ضامن [لكل] شيء استعاره إلا الحيوان [فإن] اشترط في الحيوان ضمان فهو ضامن .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : أما حجة الشافعي وأحمد في تضمينهما العارية فحديث صفوان .

                                                                                                                                                                              8628 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا شريك ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أمية بن صفوان بن أمية ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه ثلاثين درعا . فقال : يا محمد أمضمونة ؟ قال : "مضمونة" . فضاع منها درع . فقال له [ ص: 357 ] النبي صلى الله عليه وسلم : "إن شئت غرمناها لك" . قال : أنا أرغب في الإسلام من ذلك .

                                                                                                                                                                              8629 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا يحيى الحماني ، قال : حدثنا شريك ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن [ ابن] أبي مليكة ، عن أمية بن صفوان بن أمية ، عن أبيه فذكر الحديث .

                                                                                                                                                                              قال [لي] موسى : لا نعلم أحدا وافق شريكا في هذا الإسناد .

                                                                                                                                                                              8630 - حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو حنينا . . . [ ص: 358 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فهذا خبر قد اختلف أهل العلم في ثبوته ، فقال بعضهم : لا نعلم لعبد العزيز بن رفيع سماعا من أمية بن صفوان ، وقد خالف جرير شريكا في الإسناد . فقال : عن عبد العزيز ، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان ، وغير جائز أن يحتج بخبر هذا سبيله ، مع أن ألفاظ الأخبار مختلف فيها . في بعضها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مضمونة وفي بعضها أنه قال : "إن شئت غرمناها لك" قال : ولو كان الضمان لازما لم يقل : إن شئت غرمتها لك وأما قوله : "العارية مؤداة" فغير مدفوع ، لأنها مؤداة عند الجميع ما كانت باقية ، فإذا تلفت فلا سبيل إلى أدائها وإذا لم يكن إلى أدائها سبيل فغير جائز تضمينها بغير حجة .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "العارية مؤداة" .

                                                                                                                                                                              8631 - حدثنا محمد بن علي ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي أمامة أنه [ ص: 359 ] قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع يقول : "العارية مؤداة ، والمنحة مردودة ، والزعيم غارم" .

                                                                                                                                                                              وهذا خبر يجب القول به : العارية مؤداة . فلا يوجد السبيل إلى أدائها إلا وهي موجودة ، فإذا تلفت فلا سبيل إلى أدائها ، ولا حجة مع من ألزم ذلك المستعير قيمتها إذا تلفت من غير جنايته من كتاب أو سنة أو إجماع ، (وأما) ما روي عنه من قوله : "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" .

                                                                                                                                                                              8632 - فإن إبراهيم بن عبد الله حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا حديث قد تكلم في إسناده ودفع بعضهم أن يصح سماع الحسن من سمرة ، وظاهره لو ثبت يوجب أن تؤدي إليه [ ص: 360 ] ما أخذت ، وإذا تلفت بغير جناية من المستعير لم يجز إلزام المستعير قيمتها بغير حجة .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية