الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              [ذكر] النفقة على الضالة

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيمن وجد ضالة ، فأنفق عليها ، وجاء ربها : فقالت طائفة يغرم له مثل ما أنفق .

                                                                                                                                                                              وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى على صاحب البعير بالنفقة التي أنفق عليها الذي وجد البعير . [ ص: 412 ]

                                                                                                                                                                              وبه قال مالك وكان الشعبي [لا] يعجبه قضاء عمر بن عبد العزيز ، وهو مذهب الشافعي وبه قال أصحاب الرأي . وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه كان ينفق على الضوال من بيت المال .

                                                                                                                                                                              8684 - حدثنا إسماعيل بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ، قال : سمعت النعمان بن مرة يحدث سعيد بن المسيب ، قال : رأيت عليا بنى للضوال مربدا فكان يعلفها علفا لا يسمنها ولا يهزلها من بيت المال ، فكانت تشرف بأعناقها فمن أقام على شيء منها بينة أخذه وإلا أقرها على حالها لا يبيعها . فقال سعيد بن المسيب [لو وليت أمر المسلمين صنعت هكذا وبه قال سعيد بن المسيب ] .

                                                                                                                                                                              وقد اختلفوا في هذا فكان مالك يقول في ضوال الإبل : الإمام يأمر ببيعها ثم يأمر بثمنها فيوضع ، فإذا جاء صاحبها ، دفع إليه الثمن . فأما الرقيق الذين يأبقون فيوجدون ، فإنهم يحبسون ، فإن لم يأت لهم طالب ، بيعوا . فإن جاء لهم طالب بعد أن يباعوا لم يكن لهم [ ص: 413 ] إلا الثمن الذي بيعوا به ، وبيع الإمام الضوال جائز ، ولا يكون ذلك لغير الإمام ، وكان الشافعي يقول : وإذا وجد رجل بعيرا فأراد رده على صاحبه فلا بأس بأخذه ، وإن كان إنما يأخذه ليأكله فلا ، وهو ظالم ، وإن كان للسلطان حمى ، صنع كما صنع عمر بن الخطاب تركها في الحمى حتى يأتي صاحبها وما تناتجت فهو لمالكها ، ويشهد على نتاجها كما يشهد على الأم حين يجدها ويوسم نتاجها ، وتوسم أمهاتها ، وإن لم يكن للسلطان حمى ، وكان يستأجر عليها ، وكانت الإجارة تعلق في رقابها غرما رأيت أن يصنع كما صنع عثمان بن عفان إلا في كل ما عرف أن صاحبه قريب ، بأن يعرف بعير رجل بعينه فيحبسه أو يعرف وسم قوم بأعيانهم حبسها لهم اليوم واليومين ونحو ذلك ، وقد روينا عن ابن عمر أنه كان يسهل في شرب لبن الضالة . وروي ذلك عن عائشة .

                                                                                                                                                                              8685 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن زيد بن جبير ، قال : كنت عند ابن عمر فأتاه رجل . فقال : ضالة وجدتها ؟ فقال : أصلح إليها وانشد . قال : فهل علي إن شربت من لبنها ؟ فقال ابن عمر : ما أرى عليك في ذلك شيئا .

                                                                                                                                                                              8686 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن العالية ، قالت : كنت جالسة عند عائشة فأتتها امرأة ، فقالت : يا أم المؤمنين ، إني وجدت شاة ضالة ، [ ص: 414 ] فكيف تأمرين أن أصنع بها ؟ قالت : عرفي واعلفي واحلبي ، ثم عادت فسألتها . فقالت عائشة : [تأمريني] أن آمرك بذبحها أو ببيعها ؟ فليس لك ذلك .

                                                                                                                                                                              وقال مالك بن أنس في الضالة : أما نتاجها فلا تأكل منها شيئا ، وأما ألبانها فعسى أن تأكل منها .

                                                                                                                                                                              وقال قائل : إذا وجد الرجل بعيرا ضالا ضعيفا لا يقدر على الوصول إلى الماء والكلأ فله أن يأخذه ليحفظه على ربه ، وليس هذا الذي نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذه ، لأنه نهى عن أخذ الذي يستقل بنفسه الذي يرد الماء ويأكل الكلأ ، فإن أخذه آخذ أو تلف من غير جناية فلا شيء عليه ، والدليل على أن ذلك كذلك حديثه الآخر .

                                                                                                                                                                              8687 - أخبرنا محمد بن عبد الله ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة ، عن أبي سالم الجيشاني ، عن زيد بن خالد الجهني ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية