الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم في كسب الحجام

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في كسب الحجام. فكرهه قوم ورخص فيه آخرون .

                                                                                                                                                                              فممن روينا عنه أنه كرهه: عثمان بن عفان ، وأبو هريرة .

                                                                                                                                                                              8512 - حدثنا إسماعيل بن قتيبة قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن الوليد بن عيسى، عن أبيه، عن [ ص: 215 ] عثمان بن عفان قال: ما يعجبني غلة الحجام والحمام .

                                                                                                                                                                              8513 - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد ، عن الحجاج، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: نهي عن كسب الحجام .

                                                                                                                                                                              وممن كره كسب الحجام: إبراهيم النخعي ، والحسن البصري .

                                                                                                                                                                              وقال أحمد بن حنبل : نحن نعطيه كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سئل عن أكله نهى عنه، فلما ألح عليه قال: أعلفه ناضحك، وإن استفتاني حجام نهيته .

                                                                                                                                                                              ورخصت فيه طائفة. وممن رخص فيه: ابن عباس .

                                                                                                                                                                              8514 - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال: دخلت على ابن عباس وغلام له يحجمه، فقلت: أتأكل من كسبه؟ فقال: آكله آكله آكله .

                                                                                                                                                                              8515 - حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه قال: كنت عند ابن عباس فأتته امرأة فقالت: إني امرأة من أهل العراق، ولي غلام حجام، ويزعم أهل العراق أني آكل ثمن الدم، فقال ابن عباس : إنهم [ ص: 216 ] لا يزعمون شيئا، إنما تأكلين من خراج غلامك، [ولست تأكلين ثمن] الدم .

                                                                                                                                                                              وكان عكرمة لا يكرهه. وقال القاسم: لا بأس به. وقال مغيرة: كان للحارث غلام حجام. وقال أبو جعفر: لا بأس أن يحتجم الرجل ولا يشارط. وكان عطاء لا يرى بكسب الحجام بأسا. وقال ربيعة: لا بأس بكسب الحجام، وكان للحجامين [سوق] على عهد ابن الخطاب، ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك بآبائهم كانوا حجامين .

                                                                                                                                                                              وقال يحيى الأنصاري : رأيت الناس منذ قط يأكلونه بكل أرض، ولو كان حراما نهى عنه الأئمة .

                                                                                                                                                                              وقال مالك مثل قول يحيى بن سعيد .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : أدركت الناس يعطونهم ذلك، وتوارث ذلك أهل الإسلام . [ ص: 217 ]

                                                                                                                                                                              وقال قائل: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كسب الحجام خبيث" .

                                                                                                                                                                              وثبت عنه أنه احتجم وأعطى الحجام أجرة. وقد تعارض الخبران، ولا نعلم المتقدم منهما، فكل كسب جائز إلا كسب منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، ولا يجوز أن يشارط الحجام لحجامته على جعل يعطيه، لأن الحجامة تختلف، فإن أعطي الحجام عوضا من فعله فهو مباح لأخذه، وفي حديث محيصة ما يدل على إجازة إعطاء الحجام أجرة، وذلك أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلفه نواضحه ورقيقه، ولو كان حراما لحرم أن يشترى به شيء إذ الحرام لا يكون ثمنا لشيء، إنما كره له النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام تنزيها لا أنه لا يحل .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية