الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              مسائل من كتاب العارية

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا أعار الرجل [الرجل] الشيء إلى أجل معلوم فقبضه ، ثم أراد المعير أن يرجع فيأخذ ما أعاره قبل مضي الوقت [ففيها قولان ، أحدهما : أن ليس له ذلك والعارية ثابتة إلى الوقت] الذي أعطيها . هذا قول مالك ، وفي قول الشافعي : له أن يرجع فيها متى أحب .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يعير الرجل الدابة فاختلفا . فقال : أعرتنيها إلى [ ص: 365 ] بلد كذا ، وقال بل أعرتك إلى بلد كذا .

                                                                                                                                                                              فكان مالك يقول : إن كان يشبه ما قال المستعير فعليه اليمين .

                                                                                                                                                                              وفي قول الشافعي : القول قول المعير مع يمينه .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي : القول قول المعير .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الثوب فيعيره غيره .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة : إذا استعاره ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن ، وإن استعاره ولم يسم من يلبسه فأعاره غيره فلا ضمان عليه .

                                                                                                                                                                              هذا قول أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان : وهو أنه ضامن ، لأن المتعارف من أخلاق الناس أنه لا يعير غيره إذا استعاره هو ، فإن أعاره غيره فقد ضمن . هكذا قال بعض أهل النظر .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : إذا استعار دابة فأعارها رجلا آخر إذا لم يفعل بها إلا مثل ما كان يفعل الذي أعيرها فلا شيء عليه .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الدنانير ، فكان مالك يقول : هذا ضامن . ولم يجعله من وجه العارية ، وقال أصحاب الرأي في الدنانير والدراهم والفلوس يستعيرها الرجل : هو والقرض [ ص: 366 ] سواء . وأنكر آخر أن تكون الدراهم عارية ، وقال : لا يجوز أن يشتري بها شيئا . قال : وهذا من قولهم فاسد ، لأن العارية حكمها غير حكم القرض ، وهذا لا يجوز بحال .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل المتاع ويقبضه ويصيره إلى منزله ثم يستغني عنه ، فكان الثوري يقول : على الذي أكرى أو أعار أن يأخذه من عنده وليس عليه أن يحمله إليه .

                                                                                                                                                                              وقال أحمد وإسحاق : عليه أن يرده من حيث أخذه .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في العبد المأذون له في التجارة يعير الشيء ، فقال ابن القاسم - صاحب مالك - ليس له أن يعير إلا بإذن سيده ، وقال مالك : لا يعجبني أن يعق العبد عن ولده إلا بإذن سيده .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا على مذهب الشافعي . وقال أصحاب الرأي : لا نرى بعارية العبد - إذا كان يشتري ويبيع أن يؤدي الغلة - بأسا ، وإن دعا رجلا إلى طعام له أو أهدي إليه هدية فلا بأس أن يجيبه ، ويأكل من هديته .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : ولا يجوز في قول الشافعي أن يأكل من طعامه ، ولا يقبل هديته إلا بإذن سيده . وإذا استعار رجل من رجل ثوبا ليلبسه ثم جحده إياه وأقام رب الثوب البينة على ذلك وقد هلك الثوب ، فهو ضامن للقيمة في قول الشافعي وأصحب الرأي : فأما تضمين [ ص: 367 ] الشافعي إياه فلأنه يرى العارية مضمونة ، وأما تضمين أصحاب الرأي القيمة فلجحوده ، وإذا استعار رجل من رجل دابة هوجاء فأزلقت من غير أن يعنف بها ، فلا ضمان عليه في قول من لا يضمن العارية .

                                                                                                                                                                              فإن ضربها ففقأ عينها أو كبحها فعطبت فهو ضامن لها . وكذلك قال أصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان : وهو أن لا ضمان عليه إذا كبحها في حال جائز له أن يكبحها فيه ، لأن هذا مما يفعله الناس عند الحاجة إليه . وإذا استعار رجل من رجل سلاحا ، على أن يقاتل به ، وكان السلاح سيفا أو رمحا فضرب بالسيف فانقطع [نصفين] أو ضرب بالرمح فانكسر فلا ضمان عليه في ذلك . وهذا قول أصحاب الرأي ، وإذا أرسل الرجل رسولا ليستعير له دابة من رجل إلى التنعيم . فقال له الرسول : إن فلانا يسألك أن تعيره دابتك إلى عرفة فدفعها إليه على ذلك وبدا للمرسل الراكب أن يركبها (إلى عرفة فتلفت تحته فلا ضمان عليه ، لأنه مأذون له فيه ، وإن ركبها إلى التنعيم فعطبت ضمن ، لأنه) ركبها إلى الموضع الذي لم يؤذن له فيه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وفيه قول ثان : وهو أن لا شيء عليه في ركوبه إلى التنعيم ، لأنه قد أذن له في مثل هذه المسافة وليس أحد الطريقين بأصعب من الآخر فيكون ضامنا . وإذا قال : أعرتني دابتك فركبتها إلى مكان كذا بإذنك ، وقال رب الدابة : بل أكريتكها إلى ذلك المكان ، [ ص: 368 ] فالقول قول الراكب مع يمينه في قول الشافعي ، وأصحاب الرأي ، وكذلك قال الأوزاعي إذا لم تكن بينة ، وكذلك قال بعض أهل النظر .

                                                                                                                                                                              قال : لأن ربها يدعي عليه الإجارة معترفا بأنه لم يتعد في ركوبها .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وأصح من ذلك على مذهب الشافعي أن عليه كراء المثل بعد اليمين ، وقد قاله في موضع : وإذا استعار رجل من رجل دابة على أنه يذهب بها حيث شاء ، ولم يسم مكانا ولا وقتا ، ولا ما يحمل عليها ، فله أن يركبها في المصر الذي أعاره إياها فيه ، وليس له أن يؤاجرها ، وهذا على مذهب أصحاب الرأي فإن آجرها من رجل فعليه أن يتصدق بالغلة في قولهم ، وقال قائل : ليس تخلو هذه الغلة أن تكون ملكا له أو لا يملكها ، فإن لم يملكها ، فغير جائز أن يتصدق بما لا يملك ، وإن تكن له فليس عليه أن يتصدق بماله ، والذي قال الكوفي لا معنى له ، وقال قائل : له أن يركبها في المصر الذي هو فيه ، وفي غيره ، وقد حكى ابن القاسم مذهب مالك .

                                                                                                                                                                              فقال : ينظر في عاريته ، فإن كان [وجه] عاريته إنما هو إلى الموضع الذي ركب إليه ، وإلا فهو ضامن .

                                                                                                                                                                              وقال مالك في رجل اكترى دابة من رجل ليحمل عليها أو يركبها وأكراها من غيره فعطبت . قال : إن كان أكراها في مثل ما تكراها وكان [ ص: 369 ] الذي أكراه أمينا لا بأس به ، فلا ضمان عليه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا يضمن في قول أصحاب الرأي ، وإذا استعار دابة من رجل على أن يحمل عليها أربعة أمداد من شعير أو أرز أو سمسم .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة : أما [في] القياس فهو ضامن ، ولكنا نستحسن أن لا نضمنه .

                                                                                                                                                                              هذا قول أصحاب الرأي . وقال قائل : يضمن ، لأنه خالف فحمل عليها ما لم يؤذن له به .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وزعم ابن الحسن أنه إذا أذن له أن يحمل عليها حنطة فحمل عليها آجرا أو لبنا فعطبت ، أنه ضامن وعلته في تضمينه إياه أنه حمل عليها غير ما سمى له ، فكذلك قد حمل في المسألة قبلها عليها غير ما سمى له ، وإذا أقام الرجل بينته على أرض ونخل أنها له وقد أصاب الذي في يديه من غلة النخل والأرض .

                                                                                                                                                                              فإن النعمان ومحمدا ويعقوب كانوا يقولون : الذي كانت في يديه ضامن لما أخذ من (التمر) ، وكان ابن أبي ليلى يقول : لا ضمان عليه في ذلك . وقال الشافعي : يضمن ثمنها ، وما أصاب منها من شيء فدفعه إلى صاحب البينة ، فإن كانت الأرض تزرع فزرعها فالزرع للزارع ، وعليه كراء مثل الأرض ، وإن كان لم يزرعها فعليه كراء مثل الأرض .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا غصب الرجل الرجل الأرض فزرعها : [ ص: 370 ] فقال النعمان : الزرع للذي كان في يديه ، وهو ضامن لما نقص الأرض ، ويتصدق بالفضل . وبه قال محمد ، وكان ابن أبي ليلى يقول : لا يتصدق بشيء ، وليس عليه ضمان ، وقال يعقوب : هو ضامن لما نقص الأرض ، ولا يتصدق بشيء ، وقال قائل : هو ضامن لما نقص الأرض ولا يتصدق ، وقال قائل : هو ضامن لما نقصها ، لأنه متعد ، إذا كان عالما بالنهي ، وإن كان جاهلا فلا مأثم عليه ، والزرع له ، لأنه نما من بذره .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وإذا أخذ رجل أرض رجل إجارة سنة وعملها أو أقام فيها سنتين . فإن النعمان كان يقول : هو ضامن لما نقصت الأرض في السنة الثانية ، ويتصدق بالفضل ، ويعطى أجر السنة الأولى . وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد ، وكان ابن أبي ليلى يقول : عليه أجر مثلها في السنة الثانية ، وكان الشافعي يقول : عليه كراؤها الذي تشارطها عليه في السنة الأولى ، وكراء مثلها في السنة الثانية ، [وإن حدث بها نقص في السنة الثانية] كان ضامنا لها . وهكذا الدور ، والعبيد ، والدواب ، وكل شيء استؤجر ، وإذا وجد الرجل كنزا قديما في أرض رجل ، أو داره . فإن النعمان : كان يقول : هو لرب الدار ، ويخمس ، وليس للذي وجده منه شيء ، وهو قول محمد . وقال ابن أبي ليلى : هو [للذي] وجده ، ويخمس وبه قال يعقوب وأبو ثور . وقال الشافعي : الكنز لرب الدار وفيه الخمس . [ ص: 371 ]

                                                                                                                                                                              [ ص: 372 ] [ ص: 373 ] بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية