الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              باب ذكر القدر الذي يستحب أن يوصي به المرء ويقتصر عليه

                                                                                                                                                                              واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به المرء، فروينا عن جماعة أنهم أحبوا أن يوصى بالخمس: روينا عن أبي بكر الصديق - رحمة الله عليه - أنه أوصى بالخمس، وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين .

                                                                                                                                                                              وروينا عن علي أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك .

                                                                                                                                                                              وروينا عن ابن عباس أنه قال: الربع جنف والثلث جنف .

                                                                                                                                                                              7028 - حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن جعفر بن برقان، عن خالد بن أبي [عزة] أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى بالخمس، وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين . [ ص: 36 ]

                                                                                                                                                                              7029 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك .

                                                                                                                                                                              7030 - حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم ، قال: حدثنا مندل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث ، عن ابن عباس قال: الثلث جنف، والربع جنف .

                                                                                                                                                                              وروينا عن الحسن البصري أنه قال: يوصى بالسدس أو الخمس أو الربع .

                                                                                                                                                                              وكان ابن عباس يقول: الثلث والثلث كثير فلو غضوا إلى الربع .

                                                                                                                                                                              وكان سفيان الثوري يقول: لا بأس بأن يوصي بالخمس على الربع، والربع على الثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك . [ ص: 37 ]

                                                                                                                                                                              وقال إسحاق بن راهويه : السنة في الربع، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث كثير إلا أن يكون رجل يعرف في ماله (مرية) شبهات وغيرها فله استغراق الثلث وذلك أحب إلينا .

                                                                                                                                                                              وكان النخعي يقول: كان يقال: السدس خير من الثلث .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر أن يوصى بالعشر .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: ورأت طائفة أن يوصى بالثلث، ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن الوصية فقال عمر: الثلث وسط من المال، لا بخس ولا شطط. وروينا عن الزبير بن العوام أنه أوصى بثلثه .

                                                                                                                                                                              وقال شريح: الثلث جهد، وهو جائز .

                                                                                                                                                                              وقال أحمد بن حنبل : يوصى بالثلث . [ ص: 38 ]

                                                                                                                                                                              7033 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال: أخبرني ابن وهب ، قال: أخبرني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله، وعبد الله بن عمر [عن نافع عن عبد الله بن عمر ] أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن الوصية فقال عمر : الثلث وسط من المال، لا بخس ولا شطط .

                                                                                                                                                                              7034 - حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه أن الزبير أوصى بثلثه .

                                                                                                                                                                              7035 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر قال: الثلث وسط لا بخس ولا شطط .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي رحمه الله يقول: إذا ترك الميت ورثته أغنياء لم يكره له أن يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء اخترت له ألا يستوعب الثلث، [ ص: 39 ] ولا وقت في ذلك إلا ما وقعت عليه اسم الوصية، ولا أحب بلوغ الثلث إلا لمن ترك ورثته أغنياء، وقوله: "الثلث والثلث كثير" يحتمل الثلث غير قليل، وهو أولى معانيه، لأنه لو كرهه لسعد لقال له: غض منه .

                                                                                                                                                                              وكان طاوس يقول: إذا كان [ورثة] الرجل قليلا فلا بأس أن يبلغ الثلث في وصيته .

                                                                                                                                                                              وقال حميد بن عبد الرحمن : ما كنت لأقبل وصية رجل يوصي بالثلث وله ولد .

                                                                                                                                                                              وقيل لحكيم بن جابر : لو أعتقت غلامك عند الموت؟ فقرأ هذه الآية ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ) .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: الأفضل والأعلى من الأمور ما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن يقصر المرء عن الثلث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير" وإن بلغ موص بوصيته الثلث أنفذ ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع منه. وقيل لحميد الطويل: كيف أحب إليك في الوصية؟ قال: على قدر المال والعيال . [ ص: 40 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية