الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر نكاح نساء الآباء وحلائل الأبناء

                                                                                                                                                                              قال الله - جل ذكره - : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ، وقال - جل ثناؤه - : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : فإذا تزوج الرجل امرأة حرمت على ابنه، وعلى أبيه، دخل بها أو لم يدخل بها، وعلى أجداده، وعلى ولد ولده من الذكور والإناث ما تناسلوا، فلا تحل لبني بنيه ولبني بناته، وذلك لقول الله - جل وعز - : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) ، ولقوله: ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ، ولم يذكر [جل] ذكره دخولا، فصارتا محرمتين بالعقد والملك، والرضاع في ذلك بمنزلة النسب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" . [ ص: 489 ]

                                                                                                                                                                              وممن نحفظ عنه أنه قال: تحرم على أبيه وعلى ابنه، وإن لم يكن دخولا: عطاء ، وطاوس ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، ومكحول ، وقتادة ، وكذلك قال سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي رحمه الله وأبو عبيد، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي. ولست أعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الرجل يشتري الجارية ثم يجردها أو يقبلها، أتحل لابنه إن ملكها وطئها أم لا؟ فقالت طائفة: إذا جردها لم يحل لابنه وطؤها .

                                                                                                                                                                              روي هذا القول عن عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر .

                                                                                                                                                                              7360 - حدثنا موسى قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا عبد الله بن نمير ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده أنه جرد جارية ثم سأله إياها بعض ولده، فقال: إنها لا تحل لك .

                                                                                                                                                                              7361 - حدثني موسى قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا الثقفي، عن مثنى، عن عمرو بن شعيب ، عن سالم، عن ابن عمر قال: أيما رجل جرد جارية فنظر منها لذلك الأمر، فإنها لا تحل لابنه .

                                                                                                                                                                              7362 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: أخبرنا يزيد قال: أخبرنا يحيى، عن القاسم أن عبد الله بن عامر بن ربيعة - وذكر أباه عامر بن [ ص: 490 ] ربيعة ، وكان من أصحاب بدر - لما حضرته الوفاة نهى بنيه عن جارية له أن يقربها أحد منهم، قال عبد الله: وما علمنا أنه وطئها إلا أنه اطلع منها على أمر كره أن يطلعوا مطلعه .

                                                                                                                                                                              وبه قال القاسم بن محمد ، ومكحول ، والحسن البصري . وكان النعمان يقول: إذا نظر الرجل إلى فرج امرأة من شهوة حرم على أبيه، وعلى ابنه ويحرم عليه أمها، وبنتها، وبه يأخذ - يعني يعقوب - ورووا عن عمر ( حديث) لا يصح من حديث الحجاج بن أرطاة، عن مكحول ، عن عمر أنه قال بالنظر والتجريد .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وهذا من حديث الحجاج بن أرطأة ، ومكحول لم يلق عمر، والمرسل من الحديث لا تقوم به حجة . [ ص: 491 ]

                                                                                                                                                                              وكان مالك بن أنس يقول: إذا وطئ الرجل الأمة، أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها، أو باشرها، أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه ولا لأبيه. ابن أبي أويس عنه .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إنما تحرم عليه باللمس، ولا تحرم عليه بالنظر دون اللمس، كذلك قال الشافعي رحمه الله وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى . وقال مسروق عند موته بجارية له: إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي، النظر واللمس. وقال مجاهد : إذا مس الرجل فرج الجارية أو باشرها، فإن ذلك يحرمها على أبيه وعلى ابنه. وكان الأوزاعي يقول: إذا وضع يده تلذذا على جارية - زد على ذلك ثم وطئها - لأبيه إذا اشتراها ابنه أو مات فورثها لم تحل له .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لما أجمع أهل العلم أن عقد الأب النكاح على المرأة يحرمها على الابن إن ملكها، كان هذا فرقا بالإجماع بين عقد النكاح وعقد الشراء، ولما لم يعلم خلافا أن الأب بعد الشراء لو مسها أو قبلها أن ذلك يحرمها على الابن، وجب تسليم ذلك لهم، وإذا اختلفوا في تحريمها على الابن بنظر الأب إليها لم يجز تحريمها على [ ص: 492 ] الابن عند اختلافهم، والأخبار التي رويت عن عبد الله بن عمرو وابن عمر في أسانيدها مقال لأهل العلم، وقد ذكرت عللها في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية