الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              باب ذكر الرجل يموت وقد أوصى بحج وزكاة وغير ذلك

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في الرجل يوصي بحج وزكاة وغير ذلك، فقالت طائفة: تكون حجة الإسلام من جميع المال، كذلك قال عطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وطاوس، والزهري، والشافعي رحمه الله وأحمد في الزكاة كذلك من رأس المال. وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه : كل واجب من جميع المال. قال إسحاق: أوصى به أو لم يوص وهو قول الشافعي رحمه الله . [ ص: 60 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: حجة الإسلام والزكاة والنذور والكفارات اللازمة من جميع المال يجب إخراجه أوصى به أو لم يوص، استدلالا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                              7045 - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا زهير، عن محمد بن إسحاق قال: أخبرني الزهري ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباس قال: أتت امرأة من خثعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أباها أدركته فريضة الله على العباد - يعني الحج - وهو شيخ كبير لا يستمسك على ظهر البعير، فيؤدي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم، فحجي عنه، أرأيت لو كان عليه دين فقضيتيه ألا ترين أن قد أديت عنه؟ " قالت: بلى، قال: "فحق الله أحق" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: فلما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الإسلام بديون الناس، وكان الحج فرضا، والزكاة وسائر الكفارات فروض، كان ذلك في معنى الحج، وكان إخراج ذلك من رأس المال يجب استدلالا به، والله أعلم .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: في الرجل يموت وعليه زكاة أو صدقة من نذر واجب أو حج، فإن كان أوصى بها أخرجت من ثلث ماله، وكان حكمها كحكم سائر الوصايا التي يتطوع بها، وإن لم يوص بذلك فليس على ورثته إخراج ذلك من ماله. كان حماد الكوفي، وداود بن أبي هند، وحميد الطويل، والبتي يقولون: إذا أوصى أن يحج عنه الفريضة فليحج عنه [ ص: 61 ] من الثلث، وإذا لم يوص فإن شاؤوا حجوا، وإن شاؤوا لم يحجوا، والزكاة مثل ذلك .

                                                                                                                                                                              وقال إبراهيم النخعي : إذا أوصى بهما - يعني الحج والزكاة - فهما من الثلث .

                                                                                                                                                                              وقال ابن سيرين : من الثلث .

                                                                                                                                                                              وقال الشعبي : كذلك في الحج، وكفارة رمضان، وكفارة اليمين .

                                                                                                                                                                              وقال مجاهد: من صنع في ماله شيئا لم ينفذه حتى يحضر الموت فهو في ثلثه .

                                                                                                                                                                              وبه قال الثوري في الحج والزكاة .

                                                                                                                                                                              وكان الأوزاعي يقول: من قال أخرجوا عني زكاة مالي لما مضى من السنين جاز ذلك من الثلث، وقال: إذا قال أعتقوا عني فلانا وحجوا عني، فإن كانت حجة الإسلام بدئ بها على عتق النسمة، وقال: إذا قال أعتقوا عني وأخرجوا عني زكاة مالي، يبدأ بالزكاة .

                                                                                                                                                                              وحكي عن ربيعة أنه قال: فمن عليه رقبة من قبل فيموت، قال: [ ص: 62 ] الرقبة من الثلث .

                                                                                                                                                                              وقال مالك : ليس ذلك عليهم واجبا، إلا أن يكون أمر به عند الموت فيكون في ثلثه ويبدى الدين عليه. وكان مالك بن أنس يقول في الرجل يوصي عند الموت بزكاة ماله أو نذر كان عليه قال: كل ذلك في ثلثه يبدى على الوصايا، لأنه قضاء عن ذمته، وليس لأحد في ذلك قول، ولا على أحد فيه مظلمة .

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن أبي الزناد غير ذلك، روينا عنه أنه سئل عن الرجل يموت ولم يزك ماله تؤخذ زكاة ماله قبل الميراث أم يحمل من ذلك ما يحمل؟ قال: ما أرى على أحد من ورثته شيئا هو تركه وضيعه. وقال ربيعة: لا يؤخذ من ماله وعليه ما تحمل .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية