الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  تأويل قول الله تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل )

                  قال الله - عز وجل - : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) ، فأحطنا علما أنه لم يرد به الصلاة ، وإنما أراد به موضع الصلاة ، فقوله : ( إلا عابري سبيل ) ولا يكون في [ ص: 114 ] الصلاة بعينها عبور سبيل . وقد روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قد دل على هذا المعنى ، فمما روي عنهم في ذلك ما :

                  131 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، قال : " لا تدخل المسجد وأنت جنب ، إلا وأنت عابر سبيل " .

                  فلم يذكر ابن عباس في هذا التأويل أنه أريد به مسافر دون مقيم ، ولا مقيم دون مسافر فنظرنا في ذلك فوجدناه قد روي عنه في غير هذا الحديث أنه عنى به المسافر .

                  132 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي محلز ، عن ابن عباس ، في قوله - عز وجل - : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، قال : " هو المسافر .

                  133 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي ، عن الحسن بن أبي جعفر الأزدي ، عن سلم العلوي ، عن أنس بن مالك ، في قوله : ( ولا جنبا إلا عابري ) ، قال : " يجتاز ولا يجلس " .

                  وهذا عندنا على الضرورة منه إلى ذلك وعلى ألا طريق له إلى ما يريد إلا فيه كما قد روي في ذلك عن إبراهيم .

                  134 - حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، قال : إذا لم يجد طريقا غيره .

                  وقد يكون ذلك أيضا على الطريق إلى موضع الماء الذي يغتسل به حتى يصلي كما قد روي فيه عن مجاهد ، فإنه .

                  135 - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد " ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، قال : مسافرين لا يجدون ماء [ ص: 115 ] .

                  ولما كانت المساجد إنما بنيت للصلاة ، ولقراءة القرآن ، ولذكر الله - عز وجل - فيها ، لا لما سوى ذلك من أفعال الناس ، ونهيت الحائض عن دخول المسجد ، إذ لا تستطيع أن تفعل فيه ما بنيت المساجد من أجله ، حتى قيل لها إذا كانت حاجة فحاضت : افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت .

                  وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                  136 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نذكر إلا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ، فقال : " ما يبكيك ، لعلك نفست " فقلت : نعم قال : " فإن هذا أمر كتبه الله - عز وجل - على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " .

                  137 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وهي تبكي ، فقال : " ما لك تبكين ؟ " قالت : أبكي لأن الناس حلوا ولم أحلل ، وطافوا بالبيت ولم أطف ، وهذا الحج قد حضر كما ترى ، فقال : " هذا أمر كتبه الله - عز وجل - على بنات آدم ، فاغتسلي وأهلي بالحج ، ثم حجي واقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي " .

                  قال أبو جعفر : فمنعت من الطواف بالبيت لأنها ليست ممن يدخل المسجد ، وخولف بين ذلك وبين سائر أفعال الحج التي تفعل في غير المسجد ، فلما كانت الحائض كما ذكرنا في المنع من دخول المسجد كان الجنب في ذلك مثلها ، وكان الذي أبيح له من عبور السبيل في الآية التي تلونا عند الضرورة إلى دخول المسجد والحاجة منه إلى ذلك ، كهو إذا أجنب خارج المسجد ، ولا يجد ماء إلا من بئر في المسجد ، فيتيمم ليدخل المسجد طاهرا بذلك التيمم طهارة ضرورة حتى يصل إلى الماء ، فيغتسل به الغسل الذي يطهره من جنابته وكذلك لو كان الماء في غير المسجد ، ولا طريق له إليه إلا من المسجد لم يبح له أن يجتاز في المسجد إلا على طهارة بالتيمم الذي ذكرنا ليكون مجتازا في المسجد على طهارة تيمم ، لا على جنابة لم يتطهر منها ، وهذا عندنا معنى حديث روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في هذا المعنى [ ص: 116 ] .

                  138 - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله ، عن علي ، ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، " قال : نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي " .

                  هكذا وجدنا هذا الحديث في كتابنا ، وإنما هو عندنا فيتيمم ، ثم يدخل المسجد فيصلي ، ولولا أن الآثار التي ذكرناها في الباب الذي ذكرناه قبل هذا الباب في قول الله - عز وجل - ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) بينت أن المراد به الصلاة في عينها لكان ظاهر الآية يدل على أن المراد بالصلاة المذكورة فيها هو موطنها الذي يصلى فيه ، وهو المساجد ، لأنه قال - عز وجل - : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ، ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) ، ( حتى تعلموا ما تقولون ) إذا كنتم سكارى و ( حتى تغتسلوا ) إذا كنتم جنبا إلا عابري سبيل في الجنابة .

                  وهذا الذي ذكرنا في تيمم الجنب عند إرادته دخول المسجد للضرورة ، قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وأكثر أهل العلم سواهم .

                  وقد قال بعضهم ممن لم نجد عن المتقدمين ما يوافق ما قال من ذلك أن معنى قوله - عز وجل - : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) أن معنى ذلك على التقديم والتأخير ، كأنه قال - عز وجل - : ولا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل يعني : إذا كانوا أبناء سبيل مسافرين ، ثم بين ما عليهم إذا كانوا كذلك بقوله - عز وجل - : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) الآية وهذا التأويل بعيد في المعنى ، والمتقدمون كلهم علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس ، ومن تبعهم ممن ذكرنا في هذا الكتاب على خلاف هذا التأويل .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية