الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  تأويل قوله تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء )

                  روي في سبب نزول هذه الآية ما :

                  245 - حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا بن يحيى ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا إسرائيل ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله - عز وجل - ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) .

                  قال : فوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) " .

                  قال البراء : وهم اليهود ، فأنزل الله - عز وجل - : ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ، ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس ، فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه وجه نحو الكعبة ، قال : فتحرفوا القوم حتى وجهوا نحو الكعبة " . [ ص: 158 ] .

                  246 - حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة " فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا ، ثم إن الله - عز وجل - أنزل عليه : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) الآية فوجه إلى الكعبة " .

                  247 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، أن مالكا ، أخبره ، عن عبد الله بن دينار ، أن عبد الله بن عمر ، قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ أتاهم آت ، فقال : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها " وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " .

                  248 - حدثنا أبو أمية ، وأحمد بن داود ، قالا : حدثنا يحيى بن بكر المصري ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، قال : حدثني مروان بن عثمان ، أن عبيد بن حنين أخبره ، عن أبي سعيد ابن المعلى ، قال : " كنا نغدوا إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنمر على المسجد فنصلي فيه ، فمررنا يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد على المنبر ، فقلت : لقد حدث أمر ، فجلست ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذه الآية : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) حتى فرغ من هذه الآية .

                  فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكون أول من صلى ، فتبادرنا معا ، فصليناهما ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى بالناس يومئذ " .


                  غير أن أبا أمية ، قال : " فنمر على المسجد فنظل فيه " ولم يقل : " فنصلي فيه " .

                  249 - حدثنا محمد بن عبد الحكم ، قال : حدثنا أبي ، وشعيب بن الليث ، عن الليث ، عن خالد ، فذكر بإسناده مثله وقال : " نصلي فيه " .

                  250 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن زياد بن علاقة ، قال : سمعت عمارة بن أوس ، وكان قد صلى القبلتين جميعا ، [ ص: 159 ] قال : " إني في إحدى صلاتي العشي ، إذ نادى مناد بالباب أن القبلة قد حولت إلى الكعبة ، فأشهد على إمامنا أنه حول إلى الكعبة والرجال والنساء والصبيان ، فصلى بعضها هاهنا وبعضها هاهنا " .

                  ففي هذه الآثار أن نزول الآية المحكمة كان في هذا المعنى ، وفيها إثبات فرض القبلة ، وفيها أنهم انحرفوا إلى الكعبة في حرمة الصلاة التي دخلوا فيها بالتوجه نحو بيت المقدس .

                  ففي هذا دليل أن من لم يعلم بفرض الله - عز وجل - ، ولم تبلغه الدعوة ، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره أن الفرض في ذلك غير لازم له ، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه وأنه إنما يجب عليه الفرض في ذلك حين يعلمه ، ويقوم عليه الحجة حين يمكنه استعلامه ، ولهذا عندنا ، والله أعلم ، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين قبل أن يقاتلهم إلى الإسلام ، وبين لهم ما هو ، ثم ترك ذلك في آخرين ومن سواهم من مشركي العرب بني المصطلق وغيرهم ، فقتلهم وهم عادون على الماء ، لأن الدعوة قد كانت بلغتهم .

                  فإن قال قائل : قد كان فرض استقبال الكعبة في الصلاة وجب على أهل قباء قبل دخولهم في الصلاة ، لأن الآية التي أمر بذلك فيها أنزلت ليلا ، وإنما انحرفوا إلى الكعبة في الصلاة التي علموا بنزول الآية فيها فقد لحقهم الفرض قبل دخولهم في الصلاة ، وإنما عدلوا في صلاتهم إلى غير القبلة بالجهل منهم بها .

                  قيل له : وكيف يكون لله - عز وجل - فرض على من لم يعلم بفرضه إياه عليه ، وكان كذلك ألحقت فرائضه المجانين الذين لا علم معهم ، فلما كان المجانين بارتفاع العلم عنهم غير داخلين في الفرض ، كان كذلك من لم يعلم بالقرآن غير واجب عليه الفرض .

                  فإن قال قائل : فما تقولون في الرجل يسلم في دار الحرب أو في دار الإسلام ، فيمر عليه رمضان ولم يصمه ، أو تمر عليه صلوات فلم يصلها ، ولم يعلم أن الله - عز وجل - فرض شيئا من ذلك على المسلمين ، ثم علم بعد ذلك بأن هذا قد كان فرضا من الله - جل وعز - على المسلمين ؟

                  قيل له : قد قال أهل العلم في هذا قولين :

                  أحدهما : إنه إن كان في دار الحرب حيث لا يجد من يستعلم ذلك منه ، إنه لا يجب عليه قضاء شيء من ما مر عليه من صلاة أو صيام ، وإن كان في دار الإسلام أو في دار الحرب يحضره من يمكنه استعلام ذلك منه من المسلمين ، إنه يجب عليه قضاء ما مر عليه [ ص: 160 ] من الصلوات والصيام ، لأنه قد كان عليه استعلام ذلك ممن يحضر به من المسلمين .

                  وممن ذهب إلى هذا القول ، منهم : أبو حنيفة رحمه الله والآخر : أنه يقضي ما عليه من الصلوات والصيام ، ويستوي في ذلك مرور ذلك عليه في دار الحرب وفي دار الإسلام ، وممن قال ذلك منهم : أبو يوسف رحمه الله .

                  والقول عندنا في ذلك ما ذهب إليه أهل القول الأول مما قد ذكرناه في ذلك مما يدل عليه ، وليس على أهل قباء من هذا شيء ، لأنهم كانوا على حقائق فرض قد كان لله - عز وجل - عليهم ، ولم يكن عليهم السؤال ولا الاستعلام عن زواله عنهم ، ولا عن حدوث غيره عليهم ، فلما لم يكن ذلك عليهم سقط عنهم الفرض الحادث الذي لم يعلموا إنه ليس كذلك من سواهم ممن عليه السؤال والاستعلام عن فرائض الله - عز وجل - عليه من يرجو وجود ذلك عنده من المسلمين .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية