الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وذهب آخرون إلى أن المراد بهذه الآية هو المقيم في أهله الشهر كله ، وأن من دخل عليه الشهر وهو في أهله ، ثم سافر بعد ذلك أنه في حكم من شهد الشهر في المدة التي كان فيها في أهله ، وفي حكم المسافر في المدة التي صار فيها مسافرا .

                  واحتجوا فيما ذهبوا إليه من ذلك بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفره في شهر رمضان ، ومن إفطاره في سفره ذلك ، وممن قال هذا القول : أبو حنيفة ، ومالك ، وسفيان ، وزفر ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، فمما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما : [ ص: 396 ]

                  819 - حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، ومالك ، والليث ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة عام الفتح في شهر رمضان ، " فصام حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر وأفطر الناس " .

                  820 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن عبد الله بن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وزاد : " وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                  821 - وما حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله ، غير أنه قال : حتى أتى عسفان ، ولم يذكر قوله : " وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                  822 - وما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، فذكر مثل حديث علي بن شيبة هذا .

                  823 - وما حدثنا الربيع بن سليمان الحربي ، قال : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد الحجري ، قال : حدثنا حيوة بن شريح ، قال : أخبرنا أبو الأسود بن عكرمة ، مولى ابن عباس ، حدثه ، عن ابن عباس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ الكديد ، فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدح من لبن فأمسكه في يده حتى رآه الناس وهو على راحلته ، ثم شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفطر ، فناوله رجلا إلى جانبه فشرب ، وصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفطر " .

                  824 - حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا أسامة بن زيد ، أن محمد بن عمرو بن عطاء ، وعطاء بن أبي رباح حدثاه ، عن جابر ، قال : خرج رسول الله صلى الله [ ص: 397 ] عليه وسلم عام الفتح في رمضان ، " فصام وصام الناس ، حتى إذا كان بالكديد أخرج قدحا فيه ماء ، فشرب والناس ينظرون " .

                  825 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل المنقري ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح ، حتى إذا بلغ كراع الغميم ، وصام الناس وهم مشاة وركبان .

                  فقيل : إن الناس قد شق عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إلا إلى ما فعلت .

                  فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ، فأفطر بعض الناس ، وصام بعض .

                  فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن بعضهم صام ، فقال : أولئك العصاة " .


                  826 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال حماد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر في رمضان ، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه ، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجر ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمره " فدعا بإناء ، فلما رآه الناس أفطروا " .

                  827 - حدثنا بحر بن نصر ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن قزعة ، قال : سألت أبا سعيد الخدري عن صيام رمضان في السفر ، فقال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان عام الفتح ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم ونصوم ، حتى بلغ منزلا من المنازل ، فقال : " إنكم قد دنوتم من عدوكم ، والفطر أقوى لكم " ، فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر .

                  ثم سرنا فنزلنا منزلا ، فقال : " إنكم تصبحون عدوكم ، والفطر أقوى لكم فأفطروا " ، فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                  ثم لقد رأيتني أصوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك وبعد ذلك .


                  828 - حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عطية بن قيس ، عن قزعة بن يحيى ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لليلتين مضتا من رمضان ، فخرجنا صواما حتى بلغ الكديد ، " . [ ص: 398 ] فأمرنا بالإفطار ، فأصبحنا ومنا الصائم ومنا المفطر .

                  فلما بلغنا مر الظهران أعلمنا بلقاء العدو ، وأمرنا بالإفطار .


                  فكانت هذه الآثار قد تواترت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسفره بنفسه وأصحابه بعد دخول شهر رمضان عليه وعليهم وهم مقيمون في أهليهم ، وبإفطاره وأمره إياهم بالإفطار .

                  فدل ذلك أن هذا القول الثاني من القولين اللذين حكيناهما في تأويل هذه الآية ، أولى من القول الأول منهما ، وأن قوله - عز وجل - : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) لا يمنع من سافر في رمضان من الإفطار في بقيته التي تمر عليه وهو مسافر ، وهذا هو القياس أيضا .

                  ألا ترى أنه لو دخل عليه رمضان وهو مسافر ، ثم صار إلى أهله أنه يرجع في حكم صومه إلى حكم المقيم ، لا إلى حكم المسافر ، ويجب عليه الصوم في المستأنف ما كان مقيما كما يجب على من كان مقيما منذ دخل رمضان .

                  كذلك يكون القياس على ذلك أن يكون كذلك من دخل عليه رمضان وهو مقيم .

                  ثم سافر ، أن يكون حكمه في المستأنف ما كان مسافرا في الصوم ، حكم المسافر في الصوم ، لا حكم المقيم ، ودل ما ذكرنا على أن قوله - عز وجل - : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) إنما هو فليصمه ما كان مقيما .

                  ثم قال - عز وجل - : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، فكان المرض المراد عندنا في ذلك والله أعلم هو المرض الذي يخاف من الصوم الزيادة فيه ، كصاحب الحمى الذي يخاف إن صام تشتد حماه ، أو كصاحب وجع العين الذي يخاف إن صام يشتد وجع عينه ، أو كمن سواهما من ذوي الأمراض الذين يخافون إن صاموا أن تشتد أمراضهم وتزداد بالصيام ، فلهم أن يفطروا .

                  وكذلك كان أبو حنيفة يقوله في هذا فيما حدثنا محمد بن العباس ، عن علي ، عن محمد ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة ، ولم يحك خلافا ، غير أنه لم يذكر في روايته هذه من الأمراض غير وجع العين والحمى ، وما سواهما من الأمراض ، ففي القياس عندنا مثلها .

                  وكان السفر المراد في ذلك يختلف فيه على ما ذكرنا من الاختلاف في السفر الذي تقصر فيه الصلاة في كتاب الصلاة من كتب أحكام القرآن هذه ، فأغنانا ذلك عن إعادته هاهنا ، غير أنا نأتي بجملة منه وهي أن السفر المراد به في هذه الآية باتفاقهم ، لما كان سفرا [ ص: 399 ] خاصا من الأسفار ، ولم يدخل فيما أجمعوا على أنه خاص من الأسفار ، إلا ما أجمعوا على أن الله - عز وجل - عناه منها .

                  وقد أجمعوا على أن السفر الذي مقداره ثلاثة أيام ولياليها قد دخل فيما عني من ذلك .

                  واختلفوا فيما دونه من الأسفار ، فكان الأولى بنا ألا يدخل في هذه الآية من الأسفار إلا السفر المتفق على دخوله فيها ، دون ما سواه من الأسفار ، وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ، ومحمد ، يقولونه في السفر الذي يحل لصاحبه فيه الإفطار في شهر رمضان .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية