الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  ولما بطل أن تكون المسنة تجب في غير المسان ، وكانت الماشية إذا كان فيها صغار وكبار فوجب فيها الزكاة ، ولم يؤخذ الصغار عن زكاتها وأخذ من الكبار عن زكاتها بمقدار ما وجب فيها ، وكانت إذا كانت صغارا وليس ما يؤخذ في الزكاة عن الكبار ، ولا من الكبار والصغار ، بطل بذلك أن تكون فيها زكاة أصلا ، كما كان أبو حنيفة ، ومحمد يقولان في ذلك .

                  ثم نظرنا في ذلك وتأملناه فلم نجده فيما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على قول من هذه الأقوال التي ذكرنا ، فوجدنا يزيد بن سنان .

                  625 - قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، قال : حدثنا سليمان يعني ابن كثير ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر بعده ، وكفر من كفر من العرب قال عمر : يا أبا بكر ، كيف نقاتل الناس ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس ، حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " .

                  قال أبو بكر : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوا مني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها [ ص: 309 ] .

                  قال عمر : فوالله ما هو إلا رأيت أن الله - عز وجل - شرح صدر أبي بكر بالقتال ، فعرفت أنه الحق .


                  626 - حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن أبا هريرة أخبره ، ثم ذكر مثله .

                  627 - حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عمر بن عاصم الكلابي ، قال : حدثنا أبو العوام عمران بن داود القطان ، قال : حدثنا معمر بن أسد ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب .

                  قال : فقال عمر : يا أبا بكر ، ارتدت العرب ، قال : فقال أبو بكر : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا منعوا مني دماءهم وأموالهم " والله لو منعوني عناقا كما كانوا يعطون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأقاتلنهم عليه .

                  قال : فقال عمر : فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق .


                  وكان فيما روينا من هذا الحديث قول أبي بكر : والله لو منعوني عناقا كانوا يعطون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها ، فكان في ذلك ما يدل على أن العناق قد كانت تؤدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصدقة .

                  ولا اختلاف بين أهل العلم أن الغنم إذا كانت منها مسان وعنق ، أن صدقاتها مأخوذة من المسان لا من العنق ، فكان في ذلك ما قد دل أن العنق لم يكن يؤدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عنق لا مسان فيها ، فثبت بذلك القول الذي ذكرناه عن أبي يوسف من الأقوال التي ذكرناها في هذا الباب [ ص: 310 ] .

                  وإن لم تكن هذه المواشي التي ذكرناها صغارا ، ولكنها كانت عجافا كلها ، وكانت عند رجل خمس من الإبل عجاف لا تساوي شاة ، فإن أبا يوسف كان يقول فيما روى عنه الحسن بن زياد : فيها واحد منها ، قال : ولا أوجب عليه واحدا من غيرها أكثر من واحد منها .

                  وكان محمد بن الحسن ، يقول : أعتبر الأمر في ذلك ، فأقول : لو كان عنده خمس من الإبل أوساط لكانت عليه شاة وسط ، فإذا كانت عنده خمس من الإبل عجافا نظرت إلى خمسة من الأوساط ، فكانت قيمتها مائة درهم قيمة كل واحدة منها عشرون درهما ، ففيها شاة وسط قيمتها عشرة دراهم .

                  فأعلم بذلك أن الشاة التي قيمتها عشرة دراهم إنما تجب في خمس من الإبل قيمتها مائة درهم ، فإذا كانت الإبل عجافا لا تساوي مائة درهم نظرت كم قيمتها من المائة الدرهم ؟ وكأنها مثلا عشرون درهما قيمة كل واحد منها أربعة دراهم ، فعلمت بذلك أن الذي في العشر من الواجب في المائة خمسة ، فأقول لصاحب الإبل الخمس العجاف عليك شاة قيمتها درهمان ، فإذا أديت إلى هذا المصدق شاة قيمتها درهمان قبلها منك ، وإن أديت إليه شركا من شاة يساوي ذلك الشرك منها درهمان قبله منك ، وإن أديت إليه درهمين قبلهما منك ، فكان هذا القول عندنا أحسن من قول أبي يوسف الذي رويناه عنه .

                  واختلف أهل العلم في العدد من المواشي إذا كانت صغارا وكبارا ، وكانت عند رجل أقل من أربعين من الغنم مسان ، فكانت عنده صغار ، ويكمل بها العدد الذي تجب فيه الزكاة منها .

                  فقال قائلون : فيها الزكاة وتعتد بصغارها . وممن قال بذلك منهم أبو حنيفة ، ومالك ، وزفر ، وأبو يوسف ، ومحمد ، رحمهم الله .

                  وقال قائلون : لا يعتد بالصغار مع الكبار ، حتى تكون الكبار أربعين فصاعدا . وممن قال بذلك الشافعي - رضي الله عنه - .

                  وهذا قول ما علمنا أحدا تقدمه فيه ، وقد دفع ذلك خبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، لأنه أمر سفيان بن عبد الله الثقفي حين بعثه مصدقا أن يعتد عليهم بالسخلة يحملها الراعي في كفه ، ولم يقدر في ذلك أربعين ، ولا غير أربعين وجعل ذلك مطلقا في كل المواشي ، ولا نعلم عمن أخذ هذا التفصيل [ ص: 311 ] .

                  فأما حديث عمر - رضي الله عنه - الذي رويناه فقد خالفه ، وقد يكون عند الرجل الغنم من المسان في أول الحول أربعون منها ، يموت منها بعضها ، ثم تلد الباقيات منها قبل تمام الحول بيوم ، ما يكمل به الأربعون فيدخل ذلك في قول عمر - رضي الله عنه - : " احسبها عليهم ، وإن جاء بها الراعي يحملها في كفه " ، ويكون على صاحب هذه الأربعين التي قد كملت بالأولاد ما عليه في الأربعين التي مر عليها الحول كلها وهي في يده .

                  وهكذا كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، يقولون في هذا فيما حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن محمد ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف .

                  قال محمد : وهو قولنا .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية