الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وكان معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بالطواف " ليس على معنى إخراجه إياه من المسكنة حتى تحرم عليه بتلك الصدقة ، وحتى لا يكون من المساكين الذين يدخلون في الآية التي تلونا ، ولكنه أراد بذلك أنه لا يستحقها بكل أحواله حتى تحل له من تلك الأحوال كلها ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد روي عنه في الصدقة على المسكين السائل ما :

                  759 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، حدثه رجلان ، أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم الصدقة فسألاه منها ، فرفع البصر وخفضه ، فرآهما جلدين قويين ، فقال : " إن شئتما فعلت ، ولا حق فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب " .

                  760 - حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا جعفر بن عون العمري ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، قال : حدثني رجلان من قومي ، أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله .

                  761 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، والليث ، عن هشام بن عروة ، فذكر بإسناده مثله .

                  762 - حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال ، حدثنا حماد ، وهمام ، عن هشام [ ص: 363 ] فذكر بإسناده مثله .

                  فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أباحهما الصدقة بقوله لهما : " إن شئتما فعلت " ، ولم يمنعهما منها لقوتهما وجلدهما ، ولم ينكر عليهما سؤالهما إياه فيهما ورد أمرهما في حالهما لها إلى أنفسهما ، فقال : " إن شئتما فعلت " ، أي : لأنكما أعلم بحسة أمركما مني في غنى إن كان معكما .

                  ثم غلظ عليهما أمر الصدقة ، فقال : " ولا حق فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب " ، وجمع في هذا المعنى والقوي المكتسب ، وإن كان مختلفين في المعنى ، لأن الغني لا تحل له الصدقة أصلا ، ولأن القوي المكتسب قد تحل له الصدقة إذا كان فقيرا ، ولكنه ليس في حلها كالزمن الفقير الذي لا يستطيع الغنى عنها باكتسابه تقوية ما يغنيه عنها .

                  وقد يغلظ الشيء بمثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المؤمن الذي يبيت شبعانا وجاره جائع " ، فلم يكن ذلك على أنه يخرج بذلك من الإيمان حتى يدخل به في حكم الكفر .

                  وقال صلى الله عليه وسلم : " لا دين لمن لا أمانة له " ، وليس في معنى أنه يكون بذلك في حكم من لا دين له .

                  وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بالطواف " ، ليس على معنى أنه يخرج بذلك من أسباب المسكنة ، حتى يكون بذلك ممن تحرم عليه الصدقة ، ولكن ليس حكمه في المسكنة كحكم من سواه ممن لا يسأل ، ولا يفطن له فيعطى ؟ .

                  وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبيد الله بن عدي : " ولا حق فيها لقوي مكتسب " على معنى ولا حق له فيها كحق الزمن الذي لا يستطيع الاكتساب ، وقد يقال : فلان عالم حقا ، إذا كان ممن قد تكاملت فيه أسباب العلم ، ولا يقال له إذا كان دون ذلك : فلان عالم حقا ، وإن كان في الحقيقة عالما .

                  فلما كان الذي يراد به في تحقيق العلم له أعلى مراتب العلم ، كان كذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ولا حق فيها لقوي مكتسب " أي : ولا حق فيها يكون به في أعلى مراتب أهلها الذين يستحقونها ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال للرجلين الجلدين القويين اللذين يطيقان الاكتساب ، هذا القول بعد أن أباحهما إياه بقوله لهما : " إن شئتما فعلت " ، فعقلنا بذلك أن قوله لهما : " ولا حق فيها لقوي مكتسب " ليس على حرمتها على القوي المكتسب إذا كان فقيرا ، ولكن لما سوى ذلك [ ص: 364 ] .

                  وقد اختلف أهل العلم في معنى من هذا وهو رجل ، قال : ثلث مالي للفقراء والمساكين ، ولفلان ، على سبيل الوصية ، فكان أبو حنيفة ، يقول : يقسم ذلك الثلث على ثلاثة أسهم ، فسهم منها لفلان ، وسهمان للفقراء والمساكين ، وضرب للفقراء بسهم وللمساكين بسهم . كذلك حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، قال : وقال أبو يوسف : يضرب للفقراء والمساكين بسهم واحد ، ويضرب لفلان الموصى له معهم بسهم واحد ، فيكون الثلث نصفين ، وليس هذا القول بالمشهور عن أبي يوسف ، ولا نعلمه ذكر عنه إلا في هذه الرواية خاصة .

                  وأما محمد بن العباس فحدثنا ، عن علي ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، في " رجل أوصى لأمهات أولاده وهن ثلاث ، وللفقراء والمساكين بثلث ماله .

                  قال : يكون الثلث بينهم على خمسة أسهم ، منها ثلاثة لأمهات أولاده ، وللمساكين سهم ، وسهم منها للفقراء ، ولم يحك خلافا " .

                  وإذا وجب أن يصرف للمساكين بسهم ، وللفقراء بسهم فيما وصفنا ، وجب أن يكون المساكين غير الفقراء ، والفقراء غير المساكين ، ولا نعلم أنه بين في ذلك شيئا يبين به كل واحد من الصنفين من الصنف الآخر منهما ، وإذا وجب أن يكون الفقير هو المسكين والمسكين هو الفقير لأن الحاجة إلى الصدقة تجمعهما ، وإن تفاضلا في الحاجة إليها كما تجمع المسكنة المساكين وإن تفاضلوا فيها ، وجب أن لا تصرف للفقراء والمساكين في الوصية التي ذكرنا إلا بسهم واحد كما قال أبو يوسف فيما روينا عنه .

                  763 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن زياد بن نعيم ، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي ، يقول : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قومي ، فقلت : يا رسول الله ، أعطني من صدقاتهم ، ففعل وكتب لي بذلك كتابا ، فأتاه رجل ، فقال : يا رسول الله ، أعطني من الصدقة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله - عز وجل - لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها من السماء فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك منها " .

                  فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رد أمر الصدقات في هذا الحديث إلى الأجزاء التي جزأها الله - عز وجل - عليها ، وجعل للصدائي بعد ما ولاه على قومه شيئا منها ، ومحال أن يكون ولاه مع زمانة به [ ص: 365 ] .

                  وأما العاملون على الصدقات فهم السعاة عليها ، الذين يأخذون منها بعمالتهم عليها ما يأخذونه منها ، وليس لهم في ذلك منها سهم موقت لا يزادون عليه ، ولا ينقصون منه ، إنما يعطون منها مقدار ما يكفيهم في عمالتهم عليها لأنفسهم ولأعوانهم على ذلك .

                  وكذلك كان أبو حنيفة رحمه الله ، يقول فيما حدثنا محمد ، عن علي ، عن محمد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، قال أبو حنيفة رحمه الله : فإن قيل له التمر لم يلتفت إلى ذلك ، ولكنه يعطى منها ما يسعه ويسع أعوانه ولم يحك خلافا .

                  وأما المؤلفة قلوبهم فهم الذين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتآلفهم على الإسلام لحاجة أهل الإسلام إلى ذلك .

                  وهذا مما أغنى الله - عز وجل - عنه المسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي مدة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية