الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وكانت الخطبة التي للجمعة لا تجب إلا على جماعة تجري معهم الجمعة ، فلما لم يترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخطبة ، ولا صلاة الجمعة بذهاب الناس عنه إلا هذا العدد الذي منهم ، ثبت بذلك أن الجمعة تكون مع أقل من أربعين رجلا ، وهذا قول أبي حنيفة ، وزفر ، وأبي يوسف ، ومحمد ، لا كما ذهب إليه من قال لا تجري إلا بأربعين رجلا فصاعدا ، وذهب في التوقيت في ذلك إلى ما : [ ص: 156 ]

                  243 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أن أباه حدثه ، أن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : " كنت قائدا لأبي بعد ما ذهب بصره ، وكان لا يسمع النداء إلا قال : رحمه الله على أبي أمامة ، فقلت لأبي : إنه ليعجبني صلواتك على أبي أمامة كلما سمعت النداء في يوم الجمعة ، فقال أبي : يا بني ، إنه أول من جمع بنا الجمعة في حرة بني بياضة في روضة ، يقال لها : بقيع الخضمات ، قلت : وكم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلا " .

                  فهذا ما لا حجة له فيه ، إنه قد يجوز أن يجمع بعدد والجمع بأقل منه جائز ، ولقد روي أن أول من جمع بالناس بالمدينة عن أبي أمامة .

                  244 - حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الغفار بن عبد الله الكريري ، عن صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود ، قال : " أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير ، وهو أول من جمع بها أول يوم الجمعة ، جمعهم قبل أن يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم " .

                  ولما ثبت من قول من أجاز الجمعة بالجماعة التي دون الأربعين ، وكان قائلوا ذلك على مذهبين ، فقوم يقولون : تجوز الجمعة بثلاثة نفر سوى الإمام ، وممن قال ذلك منهم أبو حنيفة ، ومحمد .

                  ولما كانت الجمعة لا تجري بالرجل الواحد سوى الإمام ، وتجري بالثلاثة الرجال سوى الإمام ، واختلف في حكم الرجلين ، نظرنا في حكمهما هل هو كحكم الثلاثة الرجال أو كحكم الرجل الواحد ؟ فنعطفه على الأشبه به من ذلك من أنباء الإمام إذا صلى بالرجل الواحد أقامه عن يمينه ، وإذا صلى بالثلاثة الرجال أقامهم خلفه ، وإذا صلى بالرجلين أقامهما خلفه ، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجرى العمل عليه من بعده [ ص: 157 ] .

                  فلما كان مقام الرجلين خلف الإمام كمقام الثلاثة الرجال خلف الإمام ، لا كمقام الرجل الواحد ، كان حكم الرجلين أيضا في الجماعة كحكم الثلاثة فيها ، لا كحكم الواحد ، غير أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال : كان عبد الله بن مسعود يذهب في مقام الرجلين في الصلاة مع الإمام إلى أن يكون أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله .

                  قال : فلما كان مقام الرجلين فيما ذكرنا مختلفا فيه على ما وصفنا ، لم ننقلهما بذلك عن حكم الواحد ، ونقلنا الثلاثة عن حكم الواحد للإجماع على مقامهم خلف الإمام ، والقول الذي حكيناه عن أبي يوسف رحمه الله ومحمد في ذلك أحب إلينا من قوله هذا ، والله الموفق .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية