الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وقد خالفهم في ذلك غير واحد من أهل العلم منهم : مالك .

                  حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، أنه سمع أهل العلم يقولون في الركاز : إنما هو دفن الجاهلية مما لم يطلب بمال ، ولم يكلف فيه كبير عمل ، فأما ما طلب بمال أو كلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز .

                  قال مالك رحمه الله : هذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا وقالوا : دفن أهل الجاهلية مما غنمه أهل الإسلام فحكمه حكم الغنائم .

                  يقال لهم : أما ما تأولتموه في الركاز ، فلم يحكوا لنا فيه أثرا متقدما يوجب لكم الحجة على مخالفيكم . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل أنه عنى دفن أهل الجاهلية ، وذلك أن يونس .

                  665 - حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني عمر بن الحارث ، وهشام بن سعيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا من مزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : كيف ترى فيما يؤخذ في الطريق المئتاء أو في القرية المسكونة ؟ قال : " عرفه سنة ، فإن جاء باغيه فادفعه إليه وإلا بسائل به ، فإن جاء طالبه يوما من الدهر فأده إليه ، وما كان في الطريق غير المئتاء أو القرية غير المسكونة ففيه وفي الركاز الخمس " .

                  أفلا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل الركاز غير الموجود في القرية ، وقد يكون الموجود فيها ظاهرا على أرضها أو مغيبا في أرضها فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركاز في هذا الحديث غيرهما . وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما وجهه أبين من وجه هذا .

                  666 - حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد الأسلمي ، قال : أخبرنا بشر بن الوليد ، قال : أخبرنا أبو يوسف ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن جده ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في بئر جعلوها عقلة ، وإذا قتلته دابة جعلوها عقلة ، وإذا قتله معدن جعلوه عقلة ، فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " المعدن جبار ، والبئر جبار ، والعجماء جبار ، وفي الركاز الخمس " فقلنا : يا رسول الله ، وما الركاز ؟ قال : " الذهب الذي خلق الله - عز وجل - في الأرض يوم خلقت " . [ ص: 330 ] .

                  وهو في لغة العرب هكذا ، ومنه قول الله - عز وجل - : ( أو تسمع لهم ركزا ) أي : تسمع لهم صوتا خفيا لغيبوبتهم عنه .

                  ومنه قالوا : ركزت الرمح أي : غيبته ، فكل مغيب في الأرض مركوز فيها مما غيبه الله - عز وجل - فيها أو مما غيبه بنو آدم .

                  وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المعادن هذا المذهب .

                  667 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سئل ابن عباس عن العنبر هل فيه صدقة ؟ فقال : " إن كان فيه شيء ففيه الخمس " .

                  فلما كان ابن عباس - رضي الله عنه - قد رد حكمه ، إن كان فيه شيء الخمس وهو مستخرج من البحر ، كان الذهب والورق المستخرجان من الأرض كذلك أيضا .

                  وقد كان الزهري ، وهو الذي روى حديث الركاز الذي ذكرنا ، يذهب في المعادن إلى وجوب الخمس فيما وجد فيها .

                  668 - حدثنا يحيى ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : حدثنا يونس ، عن الزهري " في الركاز المعدن واللؤلؤ يخرج من البحر ، والعنبر من ذلك الخمس " .

                  وأما قولهم : إن كان الركاز الذي فيه الخمس مما قد غنم ، فإن هذا كلام فاسد ، لأنه لو كان كذلك لاختلف في البلدان المفتتحة صلحا والمفتتحة عنوة ، وكان في الموجود في المفتتح منها عنوة المرد الخمس لله - عز وجل - ، والأربعة الأخماس للذين فتحوا المدينة الموجودة فيها ، وما كان في المفتتحة صلحا فمردود على أهلها ، وقد منع الإجماع من ذلك وسووا جميعا بين حكم الركاز الموجود في كل المواضع ، وجعلوا حكمه حكم نفسه ، لا حكم موضعه الموجود فيه ، وإذا وجب أن يكون الموجود في المعادن من الذهب ومن الورق ، وكان أوجب أن يكون الخمس في عينه حيث وجده الرجل من ملكه ومن غيره ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه لم يحصن بذلك ركازا دون ركاز " ، كما قال أبو يوسف ، ومحمد ، مما ذكرناه عنهما في هذا الكتاب ، لا كما قال أبو حنيفة فيه : من تفريقه بين ما وجده الرجل من ذلك في ملكه وبين ما وجده في غير ملكه على قدر ما ذكرناه في ذلك في هذا الباب .

                  وكان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد يجعلون الورق والذهب ، والحديد ، والرصاص ، والنحاس كله في حكم واحد ، ويجعلون ما وجد من ذلك في معدنه ركازا ، ويوجبون فيه [ ص: 331 ] الخمس على ما ذكرنا عن كل فريق في الذهب والورق في هذا الباب . حدثنا بذلك من قولهم محمد ، عن علي بن معبد ، عن محمد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، قوله عن علي ، عن محمد ، عن أبي يوسف من قوله ، وعن علي ، عن محمد من قوله .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية