الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وذهب آخرون على أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ينقصان " أي : لا ينقصان وإن كانا تسعا وعشرين ، في أحكامهما عما يكونان عليه إذا كانا ثلاثين ، لما فيهما من أمور الإسلام ، لأن الصوم في أحدهما وليس في غيره من الشهور ، والحج في أحدهما وليس في غيره من الشهور ، يقصد إليهما بذلك لينفي عنهما نقصان الحج والصيام ، وإن كانا تسعا وعشرين .

                  وقد دل هذا التأويل ما رويناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : " الشهر تسع وعشرون " ، ومن قوله في شهر رمضان : " إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين " .

                  فعقلنا بذلك أنا قد نرى هلال شوال قبل أن يكمل رمضان ثلاثين يوما . وقد روي حديث أبي بكرة هذا من غير هذين الوجهين بخلاف ما روي من هذين الوجهين .

                  982 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا فروة بن أبي المغراء ، قال : حدثنا القاسم بن مالك المزني ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة " .

                  وكان هذا الحديث عندنا ليس بشيء إذ كان عبد الرحمن بن إسحاق لا يقام خالد الحذاء في ضبطه وإتقانه ، وإذا العنان قد يدفع ما رووا ، لأنا قد رأينا الشهور الحرام قد تنقص عن الثلاثين ، لا تدافع ذلك العامة ولا الخاصة في حديث ابن إسحاق هذا ، إخراج رمضان مما أدخله فيه خالد في حديثه الذي رويناه عنه أن شهر رمضان ليس من الشهور الحرم ، وقد ذكرنا فيما تقدم بنا في هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهر تسع وعشرون من غير أن يكون نقصا " ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، واحتجنا إلى إعادته هاهنا ، وبعض ما روي عنه فيه ليستخرج ما في ذلك من الدلائل على المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : " شهرا عيد لا ينقصان ، رمضان وذو الحجة " .

                  983 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا محمد بن بشر العبدي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن محمد بن سعد ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا ونقص في الثالثة أصبعا " . [ ص: 444 ] .

                  984 - حدثنا بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا صلة بن سحيم ، قال : سمعت ابن عمر ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا ، وضم إبهامه في الثالثة " .

                  985 - حدثنا بكر ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا الأسود بن قيس ، قال : سمعت سعيد بن عمرو ، يقول : سمعت ابن عمر يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .

                  986 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا معاوية بن سلام ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، أنه سمع عبد الله بن عمرو ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " الشهر تسع وعشرون " .

                  وكان هذا عندنا والله أعلم من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قصده إلى شهر بعينه أنه كذلك ، لا على أن الشهور كلها تسع وعشرون .

                  ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين " ، لأنه أكثر ما يكون الشهر كذلك والدليل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصد بقوله : " الشهر تسع وعشرون " إلى شهر بعينه .

                  987 - أن بكارا ، وإبراهيم بن مرزوق حدثانا ، قالا : حدثنا عمر بن يونس اليمامي ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار ، عن سماك أبي زميل ، قال : حدثني ابن عباس ، قال : حدثني عمر بن الخطاب ، فذكر إيلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه ، وأنه نزل لتسع وعشرين ، فقال : " إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين " هكذا لفظ هذا الحديث .

                  988 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : حدثني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي ، أن عكرمة أخبره ، أن أم سلمة أخبرته ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا ، فلما مضى تسع وعشرون [ ص: 445 ] غدا عليهما ، أو راح " ، فقيل له : حلفت يا نبي الله أن لا تدخل عليهن شهرا ؟ ، فقال : " إن الشهر تسعة وعشرون يوما " .

                  989 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا زكريا بن إسحاق المكي ، قال : حدثنا أبو الزبير ، أنه سمع جابرا ، يقول : هجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهرا وكان يكون في العلو ، ويكن في السفل ، فنزل إليهن في تسع وعشرين ليلة ، فقال رجل : إنك مكثت تسعا وعشرين ليلة ، فقال : " إن الشهر هكذا ، وهكذا بأصابع يده وهكذا وقبض في الثالثة إبهامه " .

                  990 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : حدثني أبو الزبير أنه سمع جابرا ، فذكر مثله .

                  991 - حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، قال : آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه ، فأقام في مشربة تسعا وعشرين ، ثم نزل فقالوا : يا رسول الله ، آليت شهرا ، فقال : " الشهر تسع وعشرون " .

                  فدل ما ذكرنا على أن مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " الشهر تسع وعشرون " ، أو ما معناه ، معنى هذا القول : أنه أراد بذلك الشهر الذي وقع إيلاؤه عليه ، وذلك عندنا ، والله أعلم ; لأن يمينه وافقت أول الشهر .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية